مقالات وآراء

حين تتكلم المدافع ويصمت البشر

بقلم/نشأت البسيوني

الحرب ليست حدثا عابرا ولا خبرا يقرأ على عجل ولا مشهدا يعرض على شاشة ثم يختفي تحت زحام الأخبار الحرب هي اختلال كامل في ميزان العقل الإنساني وعودة إلى حالة بدائية لا تتفق مع قرون ادعينا فيها التحضر الحرب هي اللحظة التي تفقد فيها الكلمات قيمتها ويصبح الصوت الوحيد المقبول هو صوت السلاح بينما تصمت الضمائر ويغيب أي معنى للمنطق أو الرأفة في عالم يدعي

التقدم تصر الحروب على تذكير الجميع بأن القوة ما زالت اللغة الأكثر رواجاً وأن الإنسان مهما حاول الهرب من وحشيته فإنه يعود إليها بمجرد أن تتوفر له الفرصة الحرب ليست مجرد إطلاق نار وليست مواجهة بين جيشين فقط الحرب منظومة كاملة تبدأ بفكرة وتنتهي بكارثة تبدأ بكلمة تحريض أو بخطاب متهور أو بقيادة فاشلة وتكبر مثل كرة نار تنزلق من جبل ويدفع ثمنها الأبرياء قبل

الجنود والمدنيون قبل العسكريين والضعفاء قبل الأقوياء الحرب لا تسأل عن السن ولا عن المهنة ولا عن أحلام الناس التي تحطم بلا أي تردد الحرب لا تنتظر مفاوضات ولا تعترف بقوانين ولا تتوقف لتسمع بكاء الأطفال أو صرخات العجائز عندما تبدأ الحرب يتغير كل شيء المدن التي كانت تنبض بالحياة تصبح رمادا والمقاهي التي كانت تجمع الأصدقاء تتحول إلى شظايا البيوت التي كانت تحمي

العائلات تصبح أطلالًا الطرق التي كانت شرايين للناس تتحول إلى ممرات للأرتال العسكرية المدارس التي كانت تبني المستقبل تغلق أبوابها وتبقى الكتب فوق الطاولات كأنها تنتظر من يعود ليكمل صفحة لم تقرأ بعد كل ما كان طبيعياً يصبح استثناء وكل ما كان بسيطا يصبح حلما حتى الماء يصبح صعبا وحتى الضوء يصبح نادرا وحتى الأمان يصبح أسطورة الحرب ليست بطولة كما تظهر

في الأفلام ولا نصرا كما تصوره الشعارات الحرب تجربة قاسية لا يفهمها إلا من عاشها أو فقد فيها شيئا لا يعوض الحرب تكسر النفوس قبل أن تكسر الجدران وتفقر الروح قبل أن تفقر الجيوب في الحرب يتحول الإنسان إلى رقم في تقرير أو صورة في مقال أو جثمان يحمل على عربة لم يعد الناس قادرين على معرفة وجوه الضحايا لأن كثرتهم تتجاوز قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بهم الحرب

تحول المآسي إلى مشهد يومي حتى يصبح الألم عادة والخوف جزءا من الروتين والجرح أمرا متوقعاً ليس هناك حرب عادلة مهما حاولت الأطراف تبريرها ولا حرب نظيفة مهما حاولت الدعاية تلميعها كل حرب تدار على حساب إنسان بريء لا يعرف لماذا يقتل أو لماذا يهجر أو لماذا فقد كل ما كان يملكه الحرب لا تمنح أحدا فرصة للاختيار الحرب تفرض نفسها على الجميع وتجعلهم يدفعون

الثمن نفسه أحياناً يخرج القادة بعد الحرب ليناقشوا الاتفاقيات أو يرسموا الحدود الجديدة بينما يظل الناس الذين عاشوا الجحيم مشغولين بالبحث عن بقايا حياتهم وعن معنى ما حدث وعن سبب كل هذا العبث الذي لا يجد أحد تفسيرا منطقياً له الحرب لا تنتهي بإيقاف إطلاق النار هذا مجرد إعلان أن الموت قرر أن يستريح قليلاً الحرب الحقيقية تبدأ بعد الصمت الطويل عندما تكتشف المدن

حجم الخراب الذي حل بها عندما يبدأ الناس في عد خسائرهم الحقيقية عندما يعود الناجون إلى أماكن لم تعد تشبه ما تركوه عندما يحاول الأطفال فهم لماذا تغير كل شيء فجأة ولماذا أصبحوا أكبر من أعمارهم بكثير ما بعد الحرب هو الحرب ذاتها لكن بلا صوت فقط آثار لا تختفي بسهولة وجروح لا تلتئم مهما مر عليها الزمن

المؤلم في الحروب أنها غالباً لا تندلع بسبب الشعوب بل بسبب

حكومات أو قرارات أو صراعات سلطة لكن الشعب وحده هو من يدفع الثمن وهو من يتحمل المسؤولية التي لم يكن طرفاً فيها العالم اليوم مليء بالحروب بطريقة تكشف حجم الفشل الإنساني الذي وصلنا إليه لا تزال نفس الأسباب تتكرر ونفس الأخطاء تتكرر ونفس النهاية المفجعة تتكرر ورغم كل ذلك لا يتعلم أحد كأن الدم ليس كافياً ليقنع العالم بأن البديل أقل كلفة وأن الحوار مهما طال

يبقى أرحم من الرصاص والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن الحرب لا تربح أحدا حتى المنتصر يخرج خاسراً لأنه يقف فوق أرض تحولت إلى مقبرة ولأن رائحة الانتصار تختلط دائما برائحة الفقد الحرب ليست مشروعا اقتصادياً ولا خطوة سياسية ناجحة الحرب أكبر من حسابات المكاسب والخسائر لأنها تحطم ما لا يقدر بثمن وهو الإنسان ذاته الإنسان الذي يحتاج عقودا ليرمم

نفسه بعد حرب واحدة بينما تحتاج الحرب دقائق لتدمير كل شيء

إن العالم لن يعرف السلام الحقيقي ما لم يدرك أن القوة ليست حلا وأن السلاح مهما رفع من شأن صاحبه فإنه يسقط قيمته كإنسان وأن الأمن لا يبنى على الخوف ولا على الصواريخ ولا على الدبابات الأمن يبني حين يفهم الإنسان قدر الألم الذي يسببه حين يدرك أن الحرب قرار يجب ألا يتخذ إلا إذا كان لا بديل مطلقاً عنه وأن حياة

واحد بريء تساوي أكثر من كل خطابات القوة التي لا تنتهي

الحرب ليست واقعا يجب التعايش معه بل خطأ يجب مقاومته فكرة يجب رفضها خيارا يجب أن يكون آخر الخيارات لا أولها العالم لا ينقصه الشجعان بل ينقصه العقلاء الذين يرفضون تحويل الأرض إلى ساحة قتال كلما اختلفوا على شيء العالم لا يحتاج أبطال الحرب بل يحتاج أبطال السلام الذين يعرفون كيف يحمون الإنسان لا كيف يدمرون ما بناه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock