
في زمنٍ تتشابه فيه الوجوه وتتكرر فيه القوالب الدرامية، يخرج اسم منذر رياحنة ليكسر الرتابة ويصنع حالة مختلفة تمامًا في مسلسل أعوام الظلام، عبر شخصية “أبو غضب” التي لم تكن مجرد دور عابر في سياق الحكاية، بل تحوّلت إلى مركز ثقلٍ درامي، ومحور صراعٍ نفسي، ومرآة حادة تعكس هشاشة الإنسان حين تطحنه الظروف وتدفعه إلى حافة الانفجار. لم يكن الحضور طاغيًا فحسب، بل كان صادمًا إلى درجة أربكت المتلقي، وأجبرته على إعادة التفكير في مفهوم الشر والخير، وفي المسافة الرمادية الفاصلة بينهما.
“أبو غضب”… حين يصبح الغضب هوية لا انفعالًا
منذ اللحظة الأولى لظهوره، يفرض “أبو غضب” مناخًا مختلفًا داخل العمل؛ رجلٌ لا يتكئ على الكلمات بقدر ما يتكئ على الصمت، ولا يلوّح بعواطفه بل يخفيها خلف نظرات جامدة كأنها جدران مغلقة. الشخصية لا تُقدَّم باعتبارها شريرة بالمعنى التقليدي، بل بوصفها نتاجًا طبيعيًا لسنواتٍ من القهر والخسارة والخذلان. هنا تحديدًا تكمن خطورة البناء الدرامي؛ إذ يجد المشاهد نفسه ممزقًا بين التعاطف والرفض، بين فهم الدوافع واستنكار النتائج. لقد أثارت الشخصية نقاشًا واسعًا بين المتابعين، فهناك من رأى فيها تجسيدًا حيًا لشخصيات صنعتها الظروف القاسية، بينما اعتبرها آخرون رسالة تحذيرية صارخة من ترك الغضب يقود المصير ويختطف القرار.
أداء بلا استعراض… قوة كامنة تحت السيطرة
ما قدّمه منذر رياحنة لم يكن أداءً صاخبًا يعتمد على الانفعالات العالية، بل كان اشتغالًا دقيقًا على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير. نبرة صوت منخفضة لكنها مشحونة، حضور جسدي ثابت يشي بالقوة، واقتصاد محسوب في الحركة والانفعال، جعل الشخصية تبدو حقيقية إلى حد الإيلام. النظرات الطويلة، لحظات الصمت الممتد، الارتعاشة الخفيفة في ملامح الوجه عند لحظات الانكسار؛ كلها عناصر سردية موازية للحوار، بل ربما أكثر تأثيرًا منه. لقد بدا واضحًا أن رياحنة اختار أن يراهن على العمق لا على الضجيج، وعلى الصدق لا على المبالغة، فكانت النتيجة شخصية مركّبة تتنفس على الشاشة وتترك أثرًا ثقيلًا في الذاكرة.
بين القسوة والإنسانية… صراع الداخل الذي لا يُرى
“أبو غضب” ليس رجلًا غاضبًا فحسب، بل إنسانٌ ممزق بين ما يريده وما فرضته عليه الحياة. قسوته ليست زينة درامية، بل درعًا نفسيًا يحمي هشاشة دفينة لا تظهر إلا في لحظات خاطفة، كوميضٍ عابر يكشف الجانب الإنساني قبل أن يعود فيختبئ خلف صلابة الملامح. هذا التناقض بين الظاهر والباطن منح الشخصية ثراءً لافتًا، وجعلها أحد أبرز محاور التوتر في العمل. فالصراع الحقيقي لم يكن مع الآخرين فقط، بل مع الذات أولًا؛ مع ذكريات لا تموت، وخسارات لا تُمحى، وشعور دائم بأن العالم يتآمر عليه. وهنا تتجلى براعة الأداء، إذ استطاع رياحنة أن يجعلنا نرى المعركة الداخلية دون أن يصرّح بها، وأن نشعر بالانفجار قبل أن يحدث.
“أعوام الظلام”… حين تتحول الحكاية إلى شهادة ألم
المسلسل يستند إلى قصة المواطن الكويتي بدر المطيري، الذي حُكم عليه بالسجن سبع سنوات، لتتحول حياته إلى جحيمٍ طويل قبل أن تنكشف براءته، وتبقى الندوب النفسية شاهدًا على ما مرّ به. هذا الإطار الواقعي أضفى على الأحداث ثقلاً إضافيًا، وجعل كل شخصية تتحرك داخل مساحة مشحونة بالتوتر والأسئلة الأخلاقية. العمل من إخراج محمد سلامة، وتأليف بدر المطيري، ويضم كوكبة من النجوم منهم حمد العماني، عبد الله الطليحي، انتصار، إيمان الحسيني، شوق الهادي، عبد العزيز مندني، وفاطمة البصيري، غير أن حضور “أبو غضب” منح العمل زاوية مختلفة، إذ رفع منسوب التوتر والعمق النفسي، وأعاد توجيه بوصلة الاهتمام نحو الأسئلة الأكثر إيلامًا: ماذا يفعل الظلم بالإنسان؟ وكيف يتحول الضحية أحيانًا إلى قاسٍ لا يرحم؟
صدمة فنية أم لحظة نضج؟
ليس من المبالغة القول إن هذا الدور يُعد من أكثر أدوار منذر رياحنة كثافة وتعقيدًا؛ فهو دور يتطلب قدرة على ضبط الإيقاع الداخلي، وعلى السير فوق خيط رفيع بين الإفراط والتفريط. لقد نجح في أن يجعل الشخصية صادمة دون أن تكون منفّرة، قوية دون أن تكون مصطنعة، وقاسية دون أن تفقد بعدها الإنساني. هذه المعادلة الصعبة هي ما جعل الأداء محل إشادة واسعة، ورسّخ اسم رياحنة كأحد أبرز من يجيدون تجسيد الشخصيات المركبة ذات البعد النفسي العميق.
في النهاية، يمكن القول إن “أبو غضب” لم يكن مجرد شخصية عابرة في سياق درامي، بل حالة فنية مكتملة الأركان، حملت توقيع أداء ناضج وواعٍ من منذر رياحنة، وأسهمت في جعل “أعوام الظلام” تجربة مشحونة بالأسئلة والوجع والدهشة. هو حضورٌ لا يمرّ مرور الكرام، وأداءٌ يذكّرنا بأن الدراما الحقيقية لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بقدرتها على أن تترك في الروح أثرًا لا يُمحى.



