رؤية موسكو للمستقبل الدولي.. السفير الروسي الكسندر روداكوف يوضح خريطة القوة بعد أوكرانيا و7 أكتوبر
ماهر بدر

يجد العالم نفسه أمام مفترق تاريخي يعيد تعريف مفهوم السيادة، وموازين القوة، وشروط الاستقرار الدولي. الحرب الروسية–الأوكرانية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل حدث عالمي يعكس صراعًا أوسع على رسم ملامح النظام الدولي المقبل، بينما أحداث السابع من أكتوبر 2023 أضافت بعدًا جديدًا لتحديات الأمن والسلام في الشرق الأوسط.
في هذا السياق الاستراتيجي الحيوي، أجرت جيهان فتوني، مديرة الأخبار في منصة Pravda TV، حوارًا خاصًا مع سعادة ألكسندر روداكوف، سفير روسيا لدى لبنان، ليفسح المجال أمام القراء لفهم الرؤية الروسية تجاه النظام الدولي الجديد، آليات إدارة الصراعات، والتوازن بين القوة العسكرية والناعمة، والاستراتيجيات الاقتصادية والثقافية التي تعكس موقع روسيا في عالم متعدد الأقطاب.
هذا الحوار يكشف الخلفيات الفكرية والاستراتيجية لموسكو، ويتيح نافذة على كيفية قراءة روسيا للمرحلة الدولية الراهنة، وموقفها من الشرعية والقوة والتاريخ، في عالم يتجه نحو إعادة توزيع السلطة والنفوذ على المستوى العالمي.
اللحظة الدولية الراهنة وإعادة توزيع مراكز القوة بعد الحرب الروسية–الأوكرانية وصدمة 7 أكتوبر
يشهد العالم مرحلة من التحولات العميقة. فقد بات من الواضح أن نموذج التنمية العالمية غير المتوازن، الذي أمّن على مدى قرون نموًا اقتصاديًا متسارعًا لدول الغرب على حساب نهب واستغلال بلدان أخرى، يوشك على الانتماء نهائيًا إلى الماضي. وفي المقابل، يتبلور نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر عدلًا وإنصافًا.
ويشير السفير روداكوف إلى أن هذا المسار موضوعي بطبيعته ولا يمكن إيقافه أو الرجوع عنه، لأنه ناتج عن انتقال مركز الثقل في الشؤون الدولية باتجاه الجنوب والشرق العالميين، حيث تتشكل مراكز قوة جديدة ترفض إرث الحقبة الاستعمارية وتسعى إلى استقلال حقيقي، وتُظهر قدرة متزايدة على الإسهام الفاعل في إدارة القضايا العالمية.
وفي المقابل، لا يستطيع الغرب الجماعي – وفق تعبيره – التكيّف مع فقدان هيمنته. ففي محاولاته الحفاظ على تفوقه المتآكل، يلجأ إلى أدوات يعتبرها غير مشروعة، من عقوبات أحادية مخالفة للقانون الدولي إلى تقييد التقنيات واستنزاف الموارد، وأحيانًا تدخلات عسكرية مباشرة، ما يؤدي إلى تصاعد عدم الاستقرار واتساع النزاعات وتعميق الأزمات التي باتت سمة ملازمة للمرحلة الانتقالية.
ويربط السفير بين تصاعد التوترات حول أوكرانيا عام 2022 وأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 في إطار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، معتبرًا أن كلا الحدثين يرتبطان بإعادة تشكيل شاملة لبنية التفاعل بين الدول.
ملامح النظام الدولي الجديد وتكييف آليات الإدارة العالمية مع واقع متعدد المراكز
لا يرى السفير أن المسألة تكمن في الاختيار بين «تعدد الأقطاب» و«الفوضى»، بل في مدى قدرة المجتمع الدولي على تكييف آليات الإدارة العالمية مع النظام متعدد المراكز الذي يتشكل موضوعيًا، ووضع قواعد عادلة تعكس التوازن الحقيقي للقوى والمصالح.
ويؤكد أن البنية المستقبلية للعلاقات الدولية يجب أن تقوم على المساواة السيادية، وعدم قابلية الأمن للتجزئة، واحترام التنوع الثقافي والحضاري. وفي هذا السياق، ستواصل روسيا تطوير سياساتها بشكل متناغم: ضمان الاستقرار الاستراتيجي عسكريًا، توسيع التعاون متعدد الأطراف سياسيًا، تنويع العلاقات اقتصاديًا مع الشرق والجنوب العالميين، وتعزيز الروابط الإنسانية ثقافيًا.
الصراع في أوكرانيا كمعركة على شكل العالم وتعريف الشرعية والحقيقة
يعتبر روداكوف أن الصراع في أوكرانيا هو صراع حول إمكانية تحديد شكل العالم المستقبلي: هل سيكون عالمًا متعدد المراكز بقواعد واحدة للجميع وأمن غير قابل للتجزئة، أم عالمًا تحكمه إملاءات القوة والقرارات الأحادية؟
ويؤكد أن روسيا تدافع عن النموذج الأول، بينما يروّج الغرب للنموذج الثاني، مشيرًا إلى أن بلاده ترى نفسها مدافعة أيضًا عن مصالح دول الغالبية العالمية التي ترفض نظام الإنذارات والضغط والمعايير المزدوجة.
ويصف العملية العسكرية الخاصة بأنها أصبحت محفزًا لإعادة تشكيل النظام العالمي على أسس أكثر عدلًا، مع بروز تجمعات «جديدة النوع» مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، التي تعمل – بحسب قوله – وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمها المساواة السيادية وتسوية النزاعات سلميًا.
وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الفضاء الإعلامي تحوّل إلى ساحة مواجهة مستقلة، حيث يرى أن وسائل الإعلام الغربية والمنصات الرقمية تُستخدم لتشويه صورة روسيا وتشكيل سرديات معادية لها وتعبئة الرأي العام بما يخدم أجندات سياسية محددة.
الاستراتيجية الأوراسية وبناء فضاء قاري قائم على الأمن غير القابل للتجزئة
يشدد سعادة السفير على أن روسيا لا تسعى إلى السيطرة على الممرات الاستراتيجية أو مراكز القرار، بل تدعو إلى تحويل أوراسيا إلى فضاء قاري موحد يسوده السلام والاستقرار والثقة المتبادلة والتنمية.
وتتجسد هذه الرؤية في مبادرات بناء «الشراكة الأوراسية الكبرى» وإقامة بنية أمنية قائمة على المساواة وعدم القسمة، مع أولوية تنسيق عمليات التكامل وتعزيز التعاون عبر التجمعات متعددة الأطراف التي تشارك فيها روسيا، وإقامة نظام أمني يشمل جميع دول القارة، بما فيها الجزء الأوروبي منها.
التحالفات الجديدة بين الشرق والجنوب وموقعها في معادلة الاستقرار العالمي
العالم متعدد الأقطاب يتطلب آليات تنسيق جديدة تتجاوز التفكير القائم على الانقسامات، لكنه يؤكد أن الاستقرار لا يتحقق تلقائيًا من خلال إنشاء أطر تعاون، بل يعتمد على المبادئ التي تستند إليها هذه الأطر.
فإذا كان التعاون قائمًا على المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح الأمنية، يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار العالمي. ومن هذا المنطلق، تواصل روسيا دعم تشكيل بنية أمن دولي عادلة تقوم على الحوار وتوازن المصالح واحترام السيادة.
التوازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة في الرؤية الروسية
ينطلق السفير من أن «القوة الصلبة» هي أداة ردع وضمان للأمن الاستراتيجي والاستقلالية، إذ تُستخدم القدرات العسكرية لمنع الضغوط الخارجية وتأمين مساحة للقرار السيادي.
وفي المقابل، تهدف السياسة الاقتصادية إلى تحقيق الاستدامة عبر تقليل الاعتماد على الخارج وتطوير التكنولوجيا الوطنية وتوسيع الشراكات خارج الدائرة الغربية الضيقة.
أما «القوة الناعمة» فتُعد – وفق تعبيره – نتيجة لمسار سيادي واثق، تسعى روسيا من خلاله إلى صياغة فهمها الخاص لنظام عالمي عادل ومشاركته عبر الدبلوماسية ووسائل الإعلام والمشاريع الثقافية والإنسانية والذاكرة التاريخية المشتركة.
التاريخ والشرعية والسيادة ودور القانون الدولي في الرؤية الروسية
و يلفت إلى أن الاستمرارية التاريخية تشكل عنصرًا أساسيًا في الهوية السياسية، وأن التجربة التاريخية والانتصار في الحرب الوطنية الكبرى وفكرة الدولة القوية تُعد دعامة أخلاقية ومركزًا للتماسك الاجتماعي.
ويؤكد أن السيادة تُفهم كقدرة فعلية على تحديد المسار السياسي والاقتصادي بشكل مستقل، وأن القانون الدولي يجب أن يكون عالميًا وغير انتقائي، مع الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة كمرجعية أساسية، محذرًا من أن التفسير التعسفي لهذه المبادئ يؤدي إلى نزاعات.
حماية المصالح الروسية على المدى الطويل وسيناريوهات العقد القادم
يربط حماية المصالح طويلة الأمد بالاستقرار الداخلي التكنولوجي والديموغرافي والاقتصادي، مؤكدًا أن تطوير الصناعة والعلوم والبنية التحتية ورأس المال البشري يمثل الأساس لأي استراتيجية خارجية فعالة.
ويشير سعادته إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين طرح عام 2024 مفهوم إطار للأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة في أوراسيا، قائم على التعاون والتنمية المتبادلة، بحيث تكون جميع الدول مطمئنة إلى أمنها.
أما العقد القادم، فيتوقع له أن يكون مليئًا بالاضطرابات والتقلبات، مع احتمالات تتراوح بين تصاعد المواجهة أو تشكّل هندسة متعددة الأقطاب مستقرة أو مرحلة انتقالية مطوّلة تتخللها أزمات إقليمية. ويختم السفير بالتأكيد على ثقته بأن روسيا قادرة على التكيف مع هذه التحولات وترسيخ مكانتها كأحد مراكز القوة المستقلة في النظام الدولي المقبل.
أبرز نقاط المقابلة مع السفير الروسي الكسندر روداكوف
الحرب الروسية–الأوكرانية ليست نزاعًا إقليميًا فقط، بل صراع على شكل النظام الدولي ومستقبل التوازن العالمي.
أحداث 7 أكتوبر 2023 في الشرق الأوسط تمثل إعادة تشكيل لبنية التفاعل بين الدول.
روسيا تدافع عن عالم متعدد المراكز يحترم السيادة والمساواة ويضمن الأمن غير القابل للتجزئة.
الفضاء الإعلامي أصبح ساحة مواجهة؛ الإعلام الغربي يستخدم لتشويه صورة روسيا وتوجيه الرأي العام ضدها.
روسيا تطور استراتيجيات أوراسية لإنشاء فضاء قاري موحد يقوم على الأمن والتعاون والتنمية المتبادلة.
القوة الصلبة والناعمة جزء من التوازن الروسي لضمان الاستقرار والتأثير الدولي عبر الدبلوماسية والثقافة.
العقد القادم مليء بالتحولات والاضطرابات، لكن روسيا قادرة على تعزيز مكانتها كقوة مستقلة في النظام الدولي.



