آية الزواج: هندسة السكينة في ملكوت الخلق في حضرة الصيام 23
بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

الافتتاحية:
عبقرية الترتيب
في كتاب الله الخالد لا تأتي الكلمات متجاورة بمحض المصادفة، بل يجري بينها نظام دقيق يربط المعاني بعضها ببعض.
ومن أبدع أمثلة هذا النظام ما نراه في سورة الروم.
فقد وضع الخالق آية الزواج في قلب أعظم آيات الكون، كأنما يريد أن يهمس في أذن الإنسان بحقيقة كبرى:
أن الأسرة ليست مجرد تفصيل اجتماعي عابر، بل هي ركن ركين في بناء الوجود نفسه.
وقد أشار غير واحد من المفسرين إلى أن مجيء آية الزواج في سياق آيات الخلق الكبرى يدل على عظم شأنها في نظام الحياة الإنسانية.
الاستهلال:
نسيج الخلق المتصل
يقول الله تعالى في محكم آياته:
ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (الروم 20)
ثم يفتح باباً جديداً للدهشة فيقول:
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. ( الروم 21)
ثم يعقب ذلك بعظمة الكون فيقول:
ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. (الروم 22)
تأمل هذا الترتيب البديع.
لقد جاءت آية الزواج بين آية خلق الإنسان من طين، وآية خلق السماوات الواسعة.
وهذا التوسط ليس عبثاً، بل هو إعلان عن قيمة البيت.
فالبيت هو الجسر الذي يربط بين طينة الأرض وعظمة السماء.
أولاً: لماذا تساوت الآيات في الميزان
قد يظن البعض أن خلق السماوات والأرض أعظم شأناً من علاقة رجل وامرأة في بيت صغير.
لكن القرآن يصحح لنا هذا الميزان.
فالله وصف الزواج بأنه آية، تماماً كما وصف خلق الكون بأنه آية.
والسر هنا يكمن في المعجزة النفسية.
فالسماوات قائمة بأمر الله وقوانين الكون،
لكن البيت القائم على السكينة هو معجزة إنسانية تتكرر كل يوم.
إنها معجزة تحويل الغرباء إلى أقرباء،
وتحويل الوحشة إلى أنس.
إن آية الزواج لا تقل شأناً عن خلق النجوم.
فكما أن النجوم تضيء ليل الكون، فإن البيوت المطمئنة تضيء ليل النفس البشرية وتمنحها الدفء.
ثانياً: من أنفسكم
لغة الجوهر الواحد
حين يقول الخالق من أنفسكم، فهو يقرر وحدة الأصل والماهية.
فالمرأة ليست غريبة عن الرجل، والرجل ليس غريباً عنها.
إنهما من طبيعة واحدة وأصل واحد.
وقد ذكر المفسرون أن معنى من أنفسكم أي من جنسكم وطبيعتكم لتقع الألفة والسكينة بينكما.
هذه الكلمة العميقة تعني أن الطرف الآخر هو مرآتك،
هو أنت في صورة أخرى.
فالمرأة روح تسكن الروح، وليست كائناً غريباً يطرق الأبواب.
وإذا أدرك الزوجان هذه الحقيقة استبدلا التنافس بالتكامل،
واصطلحا مع ذواتهما من خلال الاصطلاح مع شريك الحياة.
ثالثاً: دلالات السكن
غاية الرحلة
هناك فرق دقيق في لغة العرب يوضح لنا عمق المعنى.
فالقرآن لم يقل لتسكنوا معها، بل قال لتسكنوا إليها.
السكن مع شخص قد يكون مجرد مشاركة في مكان واحد أو جدران صامتة.
أما السكن إلى شخص فهو الانتماء والقرار والاطمئنان.
فكلمة إليها تدل على الوصول والمنتهى.
ولهذا صوّر القرآن الزوجة باعتبارها المرفأ الذي تنتهي عنده رحلة التعب،
والمحطة التي تضع عندها الروح أثقال القلق،
كما يسكن الطائر إلى عشه بعد عناء التحليق.
رابعاً: المودة والرحمة
ميزان الاستمرار
المودة هي الحب حين يتحول إلى فعل وسلوك.
هي الابتسامة،
والكلمة الطيبة،
والاهتمام،
والاحتفاء بالطرف الآخر.
أما الرحمة فهي السور الذي يحمي البيت حين تغيب حرارة البدايات.
المودة زينة الحياة في أيام الرخاء،
والرحمة طوق النجاة في ساعات الشدة.
وقد جمع الله بينهما لأن الحياة لا تستقيم بأحدهما دون الآخر.
خامساً: مثال تطبيقي من واقع الحياة
لنتأمل حال زوجين مرا بأزمة معيشية قاسية أو بمرض طويل.
في مثل هذه اللحظات قد تخفت لغة المشاعر المتوهجة،
لكن تبدأ لغة الرحمة في الكلام.
ويظهر هذا المعنى بوضوح حين يتقدم العمر بأحد الزوجين.
فلا يبحث الطرف الآخر عن جمال ظاهر أو مال وفير،
بل يندفع لخدمة شريكه بدافع الرحمة التي جعلها الله آية.
فنرى إنساناً يسهر الليالي من أجل آخر،
أو يمسك بيده في لحظة ضعف،
أو يتحمل غضبه في ساعة ضيق.
هذا الفعل البسيط في ظاهره هو في حقيقته صورة من صور الرحمة التي أودعها الله في القلوب.
سادساً: الزواج في محراب العبادة
في الرؤية الإسلامية لا ينفصل الجسد عن الروح،
ولا العادة عن العبادة.
إن إعمار البيت بالمعروف طريق من طرق الجنة.
وقد ثبت في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي
(صححه الألباني)
وحين سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته قالت:
كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. (البخاري)
هذا الربط بين خدمة البيت وبين الصلاة يكشف لنا أن السكينة المنزلية جزء من الإيمان.
سابعاً: البيت ونواة المجتمع السيادي
عندما يربط القرآن الزواج بآيات الخلق الكبرى فهو يتحدث في الحقيقة عن أمن المجتمع واستقراره.
فالبيت الصالح هو الخلية التي تصنع الإنسان المتزن السوي.
وإذا فسدت البيوت واضطربت السكينة بداخلها اختل ميزان المجتمع في الخارج.
إن قوة الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من قوة مادية،
بل تقاس أيضاً بمقدار المودة والرحمة التي تسكن بيوتها خلف الأبواب المغلقة.
الخاتمة:
دعوة للتدبر
إن وضع آية الزواج بين آيات الخلق العظيمة رسالة سماوية لكل إنسان.
فبيتك ليس مجرد جدران وأثاث،
بل هو آية من آيات الله تستحق الرعاية والتقدير.
فاحترم قدسية هذه الآية،
واعلم أنك تعيش معجزة إنسانية كلما دخلت بيتك بسلام.
السماء آية نراها بأعيننا فتبهرنا بعظمتها،
والزواج آية نعيشها بقلوبنا فتبهرنا برحمتها.
وعظمة الخالق الذي رفع السماء بغير عمد توازي عظمته في تأليف القلوب وإقامة بيوت آمنة مطمئنة.
السؤال:
هل ندرك اليوم أن بيوتنا محاريب للسكينة،
أم استسلمنا لضجيج المادة الذي أفقدنا الشعور بقيمة هذه الآيات العظيمة؟
التوصية:
تأملوا وجوه رفاق دربكم،
لا كأشخاص عاديين،
بل كآيات وضعها الله بين أيديكم لتروا فيها تجليات فضله وكرمه.
فحافظوا على عهد الله وميثاقه الغليظ.



