
ما أشبه البشر بالأرض وليس في ذلك عجب فالإنسان خُلق منها وعادتها أن تعكس طباعه كما تعكس الأرض طباع من يسكنها فمن البشر من يشبه باطن التربة الصامتة يحفظ الأسرار في أعماقه فلا يبوح بها حتى يأتي صاحبها فيستخرجها كما يستخرج الزارع كنزه المدفون في التراب ومنهم من يشبه الأرض الخصبة التي إذا أُلقيت فيها حبة واحدة ردتها سنابل كثيرة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فيفيض عطاؤه حتى يدهش من حوله
ومن الناس من يشبه الأرض التي تأكل كل ما يلقى فيها فلا تنبت زرعا ولا تمنح ظلا يبتلع الخير كما تبتلع الأرض اليابسة المطر ثم لا ترد للحياة شيئا ومنهم من يعطي بقدر ما أخذ لا يزيد ولا ينقص كأن بينه وبين الدنيا ميزانا خفيا لا يختل
وفي البشر أيضا من يشبه الأرض اللينة التي تستريح الأقدام على أديمها فمجرد الجلوس معه يمنح القلب سكينة كأن الروح لامست ترابها الأول ومنهم من يخفي في باطنه ما تخفيه بعض الأراضي من حشرات وهوام وثعابين ظاهرها هادئ وباطنها مليء بما يلدغ ويؤذي
ومن الناس من يشبه الأرض القاسية التي أرهقتها الشمس والرياح لكنها ما إن تلمسها قطرة ماء حتى تعلن للحياة أنها ما زالت حية فتنبت من صبرها أملا أخضر بعد طول جدب
وهناك بشر يشبهون الأرض التي نموت من أجلها ونقاتل دفاعا عنها ونرفض التفريط فيها لأننا نعرف أن فقدها يعني فقد الجذور وفقد المعنى
لهذا كله أحب أن أجلس إلى الأرض أصغي إليها كما يصغي الإنسان إلى حكمة قديمة أشعر أنها تعرفني كما أعرفها تناجيني بصمتها وتخبرني أن كل ما فينا منها وأن كل خطواتنا مهما ابتعدت ستعود في النهاية إلى حضنها
فنحن أبناء التراب نحمل طباعه في قلوبنا ونحمل مصيره في أعمارنا نولد منه ونمشي عليه ثم نرجع إليه ذات يوم ليضمنا كما ضم البذرة قبل أن تصبح حياة



