
ليس كلُّ حاضرٍ موجودًا حقًا كما يظنّ البعض.
فهناك أشخاص نراهم حولنا كل يوم، لكنهم ليسوا معنا، لا يشعرون بنا ولا نلمس منهم حضورًا حقيقيًا.
وجودهم يشبه الظل؛ نراه بأعيننا، لكننا لا نحسّه في قلوبنا.
وفي المقابل، هناك من يسكنون داخلنا رغم بُعد المسافات.
قد تفصل بيننا وبينهم بلاد وحدود وأماكن، لكنهم أقرب إلينا من كثيرين يجلسون إلى جوارنا.
نشعر بهم، يحضرون في تفاصيل يومنا، وتسبق أرواحهم أجسادهم في المواساة والسؤال والدعم.
الحضور الحقيقي ليس اقتراب أجساد، بل اقتراب أرواح. فكم من أشخاصٍ حولنا هم مجرد كلمات عابرة وأجساد بلا أثر، نحتاج إليهم فلا نجدهم، ونناديهم فلا يجيبون.
وكم من بعيدٍ يسكن القلب، نطلبه فيكون أول الحاضرين، يمدّ يده ولو من خلف المسافات.
القرب والبعد لا يُقاسان بخريطة ولا تُحددهما حدود.
فالقرب قرب قلوب، وقرب محبة صادقة، أما ما عدا ذلك فليس سوى أعذار واهية، ودليل على غياب الشعور.
في زمنٍ اختلطت فيه المسافات بالمشاعر، يبقى الميزان الحقيقي للعلاقات هو الصدق في الإحساس، لا عدد الخطوات بيننا.
فالحاضر الغائب أكثر ألمًا من البعيد الحاضر، والروح تبقى أبصر وأهم من الجسد في كل الأحوال.



