مقالات وآراء

العدالة لا تشنق خلف القضبان

بقلم ـ طارق فتحي السعدني

في خضم تصاعد التوترات وتسارع الأحداث يطفو على السطح طرح بالغ الخطورة يتمثل في الدعوة إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين،
وهو طرح لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه انزلاقا خطيرا يتجاوز حدود السياسة إلى انتهاك جوهري لقيم الإنسانية ذاتها.
إن مثل هذه الدعوات تستوجب موقفا واضحا لا لبس فيه: شجب قاطع ورفض تام يستند إلى القانون الدولي ويستنهض الضمير الإنساني قبل أي اعتبار آخر.
لم تكن يوما قضية الأسرى مجرد ملفا سياسيا عابرا،
بل تمثل معيارا حقيقيا لمدى التزام العالم بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
فالأسرى وفقا لمواثيق الأمم المتحدة واتفاقيات القانون الدولي الإنساني يتمتعون بحقوق أصيلة لا تقبل التأويل أو الانتقاص.
وفي مقدمتها الحق في الحياة والحماية من أي معاملة قاسية أو لا إنسانية.
ومن ثم فإن مجرد طرح فكرة الإعدام سواء كعقوبة جماعية أو كأداة ضغط سياسي.
يعد انتهاكا صارخا لهذه المبادئ، وتقويضا لأسس النظام القانوني الدولي.
إن الموقف المتزن لا يقف عند حدود الرفض العاطفي بل يتجاوزه إلى التأكيد بأن العدالة لا تتحقق عبر الانتقام ولا تبنى على قرارات تتخذ تحت وطأة الغضب. لقد وُضع القانون الدولي الإنساني تحديدا ليحكم مثل هذه اللحظات الحرجة حين تتصارع الانفعالات مع القيم،
فيكون الاحتكام للمبدأ هو الفيصل لا نزعات التصعيد.
وعلى مستوى الشعوب العربية والمصرية فإن هذا الطرح يمس وجدانا جمعيا الذي يرفض الظلم ويؤمن بقدسية الحياة الإنسانية، ويستدعي موقفا أخلاقيا يعبر عن هوية راسخة لا تقبل التنازل عن قيم العدالة والكرامة.
كما أن المجتمع الدولي بمؤسساته ومنظماته يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقيته فالصمت أو التراخي في مواجهة مثل هذه الدعوات لا يعد حيادا،
بل يسهم في ترسيخ سابقة خطيرة تهدد بنسف منظومة القيم الإنسانية بأسرها.
إن العدالة الحقيقية لا تشنق خلف القضبان ولا تمارس عبر إزهاق الأرواح،
بل تبنى على إنصاف الإنسان أيًّا كان موقعه أو انتماؤه فلا سلام يرتجى من قرارات تغذي دوائر العنف،
ولا استقرار يصان عبر انتهاك الحق الأصيل في الحياة فالطريق الوحيد نحو مستقبل أكثر أمانا وعدلا يمر عبر معالجة جذور الصراع وإعلاء سيادة القانون وترسيخ مبادئ تحفظ للإنسان كرامته وتصون حقه في الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock