مقالات وآراء

حين تتكلم العواصف وتظهر الحكمة

بقلم -أشرف ماهر ضلع

تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. صراعٌ تتشابك فيه الحسابات العسكرية بالمصالح السياسية، وتتقاطع فيه خرائط النفوذ مع خطوط النار، حتى بات الشرق الأوسط كله يقف على حافة مرحلة جديدة لا أحد يعرف إلى أي مدى قد تمتد.
في مثل هذه اللحظات تتكشف حقيقة موازين القوى، وتظهر بوضوح معضلة العالم العربي: دول متفرقة، ومواقف متباعدة، وقدرات لا يجمعها إطار موحد. فحين تشتد العواصف لا تنجو السفن الصغيرة إذا كانت تسير منفردة، بل تحتاج إلى أسطولٍ واحد يواجه الموج بقوة الجماعة.
وهنا يعود إلى الذاكرة ذلك النداء الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل سنوات، حين دعا إلى إنشاء قوة عربية مشتركة تكون درعًا يحمي المنطقة ويصون أمنها. كان الطرح يومها يبدو للبعض فكرة بعيدة أو مشروعًا صعب التحقيق، لكن الأحداث التي تتلاحق اليوم تكشف كم كان ذلك التصور سابقًا لزمانه، وكم كانت الحكمة فيه أبعد نظرًا من حسابات اللحظة.
فالدول لا تُحمى بالشعارات، ولا تُصان حدودها بالنيات الحسنة وحدها، بل بمنظومة دفاعية قادرة على الردع. والواقع أن ما نشهده اليوم من توترٍ متصاعد يجعل كثيرين يعيدون التفكير في تلك الدعوة التي ربما لو وجدت طريقها إلى التنفيذ، لكان للعرب اليوم صوتٌ أقوى وموقفٌ أكثر تماسكًا في معادلة الأمن الإقليمي.
إن التجارب الكبرى في التاريخ تؤكد أن التحديات لا تفرّق بين الأمم بقدر ما توحدها، وأن اللحظات الصعبة قد تكون بداية الوعي الجديد. وربما يكون الدرس الأهم في كل ما يحدث الآن هو أن الأمن القومي لا يُبنى فرديًا، بل هو مشروع جماعي يحتاج إلى إرادة مشتركة ورؤية بعيدة.
في زمن التحولات الكبرى، تبقى الحكمة هي القدرة على قراءة المستقبل قبل أن يفرض نفسه. والتاريخ كثيرًا ما ينصف الأفكار التي بدت يومًا سابقة لوقتها، لكنه لا يمنح الفرصة نفسها مرتين بسهولة. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يتعلم العرب من دروس اللحظة، أم يتركون الأحداث تكتب مستقبلهم دون أن يكون لهم فيها القرار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock