فن وثقافة

رواية همسات

تأليف وكتابة -سيف محمد كامل

الفصل الثاني: همس البداية
استيقظ يحيى على ضوء الشمس المتسلل من شقوق الستائر الثقيلة.
لحظات قليلة من الارتباك، ذلك الفراغ الجميل بين النوم واليقظة حيث لا يعرف أين أنت أو من أنت. ثم عادت الذاكرة: الانفصال، الشقة الجديدة، المفاتيح الصدئة، الحاج عبود، والصوت.
الصوت.
جلس في السرير بسرعة، قلبه يدق. أصغى.
صمت تام فقط زقزقة عصافير من بعيد، وصوت سيارات نادر من الشارع نهار عادي في شقة عادية.
“حلم”، تمتم لنفسه. “كان مجرد حلم.”
نهض، توجه إلى الحمام الصغير. فتح الصنبور، انتظر حتى يتحول الماء البارد إلى دافئ، ثم غسل وجهه. نظر في المرآة المتشققة رأى عيوناً منهكة، شعراً أشعث، لحية خفيفة تحتاج لتهذيب. كان يبدو أكبر من عمره الحقيقي بسنوات.
“مش هتفشل، يحيى”، قال لصورته. “لسه قدامك كتير.”
خرج من الحمام، فتح حقيبته، بحث عن قطعة نقود صغيرة. وجد جنيهاً معدناً قديماً وضعه في جيب بنطاله كان يحتاج لشراء بعض الأكل، وربما التحدث مع الحاج عبود مجدداً، يسأله عن الجيران.
نزل السلم في النهار، العمارة بدت أقل رعباً. ضوء الشمس كان يتسلل من شبابيك السلم الواسعة، يكشف عن تفاصيل النحت القديم على الجدران، وأرضيات الرخام المتآكلة التي كانت فخمة في زمن مضى.
في الطابق الأرضي، سمع صوتاً.
توقف
صوت امرأة تتحدث لكنها لم تكن تستنجد. كانت تتحدث… مع قط؟ نعم، صوت امرأة مسنة تنادي: “بيبوش، تعالى يا حبيبي، تعال كل الأكل بتاعك.”
اقترب من باب الشقة رقم 12 سمع الصوت بوضوح غريب واضح جداً، وكأن الباب مفتوح لكنه كان مغلقاً.
تذكر ما حدث الليلة الماضية كيف سمع صوت البكاء من داخل الجدار ربما الجدران هنا رقيقة جداً؟
ربما العزل السيئ هو التفسير المنطقي لكل شيء؟
قرر أن يطرق باب مدام روز دق دقتين خفيفتين.
صوت خطوات تقترب. فتحت الباب امرأة في السبعين، نحيلة، وجهها أبيض مجعد، ترتدي رداء منزلياً قديماً ونظارة طبية سميكة عيناها واسعتان خلف النظارة، تطلان عليه بفضول واضح.
“أهلاً… أنا يحيى، الجديد في الشقة 13 جاي أسلم عليكي.”
ابتسامة عريضة ارتسمت على وجهها “أهلاً أهلاً! أخيراً حد سكن في الشقة دي! أنا مدام روز، اتفضل اتفضل!”
يحيى تردد “مش عايز أزعجك…”
“أزعج إيه! تعال اشرب شاي معايا تعال.”
وجد نفسه داخلاً الشقة كانت تشبه شقته في التصميم، لكنها مليئة بالأشياء تماثيل صغيرة، لوحات زيتية لقطط، أكوام من الصحف القديمة، وستائر ثقيلة تخفي النوافذ بالكامل الرائحة مختلفة هنا: عطور رخيصة، ومعطرات جو، وشيء يشبه الكعك المحروق.
“اتفضل اقعد”، أشارت إلى كنبة قديمة “هجهز الشاي.”
جلس يحيى، وهو يشعر بأن عيون مداموز تثقبه كانت تنظر إليه من فوق كتفها وهي تعد الشاي في المطبخ المكشوف.
“من زمان ما حد سكن في الشقة دي”، قالت وهي تصب الماء “آخر واحد كان شاب زيك كده… من حوالي خمس سنين مشيت بسرعة.”
يحيى تصلب “مشيت؟ ليه؟”
هزت كتفيها “مش عارفة الحاج عبود هو اللي بيدير الحوار أنا ببقي في حالي بس قال إن الجدران كانت… بتزعجه.”
يحيى شعر بقشعريرة “بتزعجه إزاي؟”
مدام روز التفتت إليه، عيناها واسعتان خلف النظارة “بتسمع الأصوات الجدران هنا رقيقة؟ لأ، بالعكس، سميكة جداً لكن الصوت بيمشي غريب. أنا مثلاً بسمعك دلوقتي كأنك في الأوضة جنبي، مع إن صوتك واطي.”
يحيى لم يعلق أخذ كوب الشاي الذي قدمته له، رشفة صغيرة.
“والجيران التانيين؟” سأل.
“فوق في 15 شباب متجوزين اسمه كريم وشيرين هو بيشتغل حاجة في البنك، وهي ست بيت بيتخانقوا كتير، بس دول شباب كويسين تحت في 11 فاضي والباقي ناس رايقة.”
جلست أمامه، تناولت كوبها. كانت تراقبه ثم سألت فجأة: “أنت سمعت حاجة الليلة اللي فاتت؟”
يحيى كاد يختنق بالشاي. “إزاي يعني؟”
ابتسمت ابتسامة غريبة “أنا بسمع أصوات كتير في الليل مش من الشارع، من جوه أصوات ناس بتتكلم بكاء، صراخ أحياناً بعتقد إن العمارة دي قديمة قوي، والجدران بتفتكر حاجات.”
يحيى وضع الكوب على الطاولة، حاول أن يبدو غير مكترث. “أكيد ده بسبب السلم أو حاجة.”
مدام روز هزت رأسها، “أكيد. أكيد”
لكن نظراتها كانت تقول عكس ذلك.
غادر شقة مدام روز بعد نصف ساعة من الحديث غير المريح كانت امرأة ودودة، لكنها غريبة وكلامها عن الجدران والأصوات لم يساعده على الاسترخاء.
خرج إلى الشارع، اشترى بعض الخضروات والمكرونة والجبنة الرخيصة من بقال صغير قرب العمارة كان يتفقد هاتفه، يبحث عن أي عروض عمل جديدة لا شيء فقط إشعار بخصم قيمة المشتريات من حسابه.
عاد إلى الشقة، وضع الأكل في الثلاجة الصدئة التي اكتشف أنها تعمل بصعوبة، وتصدر صوتاً عالياً يشبه الشخير ثم جلس أمام اللاب توب، حاول العمل على مشروع قديم كان يؤجله، مجرد تصميم لغلاف كتاب لصديق قديم، بلا مقابل تقريباً.
مرت الساعات بهدوء
في المساء، سمع أول صوت واضح من الجيران
شقة رقم 15 الزوجان الشابان
بدأت كمشاجرة عادية صوت الرجل مرتفع غاضب، وصوت المرأة باكياً لكن الغريب أن يحيى كان يسمع كل كلمة بوضوح تام، وكأنه جالس معهم في نفس الغرفة.
“أنا مش عارفة أعمل إيه تاني!” صرخت شيرين “انت طول اليوم برا البيت، ولما تجي بالليل قاعد على الموبايل!”
“أنا بشتغل يا شيرين!” رد كريم بصوت أجش “انت عايزاني أسيب الشغل عشان أقعد أضحك معاكي؟”
“أنا عايزة بس تحس بيا شوية!”
“أنا بحس بيكي طول الوقت بس أنت مش شايفة غير نفسك”
صمت ثم صوت شيء يُكسر زجاج؟
يحيى نهض من مكانه، ارتبك هل يتدخل؟ هل يطرق الباب؟ لكنه صوت آنية وقعت على الأرض، لا أكثر.
ثم سمع صوت شيرين وهي تبكي: “أنا مش عايزة أعيش كده”
صوت باب يُغلق بقوة خطوات على السلم كريم خرج من الشقة
يحيى ظل واقفاً في منتصف غرفة المعيشة، يشعر بأنه متلصص لم يكن يريد سماع هذه التفاصيل، لكن الجدران فرضتها عليه.
عاد إلى اللاب توب، حاول التركيز لكن عقله كان مشتتاً
في الليل، قرر أن ينام مبكراً كان مرهقاً
استلقى على السرير، أطفأ النور الظلام حالك، الستائر تمنع أي ضوء خارجي الصمت مطبق
ثم سمعها
صوت المرأة التي سمعها الليلة الماضية
لكنه هذه المرة كان أوضح ليس بكاءً فقط، بل همساً خائفاً:
“…لا تعمل كده… أرجوك… أنا ماليش ذنب…”
يحيى جمد مكانه. عيناه مفتوحتان في الظلام أصغى بكل جوارحه
الصوت تكرر امرأة تتوسل صوت رجل؟ لا، ليس بوضوح مجرد همهمة غاضبة لا تفهم كلماتها.
وقف يحيى ببطء شديد. مشى حافياً نحو الحائط وضع أذنه على الجص البارد
الصوت ازداد وضوحاً كان يأتي من داخل الجدار ليس من شقة مدام روز المجاورة، لأنها كانت صامتة تماماً ليس من الشقة العلوية، لأن الصوت كان في مستوى أذنه من داخل الجدار.
“ساعدني… حد… حد يساعدني…”
توقف الصوت فجأة
ثم سمعه مجدداً، لكنه هذه المرة كان مختلفاً صوت امرأة أخرى؟ لا، نفس الصوت، لكنه أبعد، وكأنه يتردد عبر نفق زمني
يحيى تراجع خطوة للخلف قلبه يدق بعنف
“مين أنتي؟” همس في الظلام
لا رد
انتظر دقيقة خمس دقائق عشر
صمت تام
عاد إلى سريره، جلس عليه لم يعد يستطيع النوم فتح النور بقي جالساً حتى الفجر، يحدق في الجدار.
في الصباح، قرر أن يواجه الحاج عبود.
نزل مسرعاً، وجد باب الغرفة مفتوحاً دق، دخل دون انتظار.
الحاج عبود كان جالساً في مكانه المعتاد، يشرب الشاي، يقرأ جريدة قديمة نظر إليه دون أن يتفاجأ بزيارته.
“أهلاً يا يحيى النومة حلوة؟”
يحيى وقف أمامه، كان واضحاً عليه الإرهاق “الحاج عبود، أنا عايز أسألك سؤال مهم.”
أشار له الحاج عبود بالجلوس جلس.
“الشقة دي… فيها أصوات أصوات مش طبيعية أنا سمعت وحدة بتستغيث.”
الحاج عبود لم يرفع عينيه عن الجريدة “أها.”
“يعني أها؟ ده ردك؟ فيه ست بتنادي على مساعدة!”
“متى؟”
يحيى تردد “الليلة اللي فاتت وقبلها كمان أول ليلة.”
الحاج عبود وضع الجريدة جانباً نظر إليه نظرة طويلة متعبة ثم قال بصوت هادئ جداً:
“يا بُني، أنا عارف إنك سمعت حاجات كل اللي سكنوا الشقة دي سمعوا حاجات عشان كده هي رخيصة عشان كده محدش بيكمل فيها.”
يحيى شعر بغصة في حلقه “طب ليه مخبرنيش قبل ما أستأجر؟”
الحاج عبود رفع حاجبه “أنا قلت لك اللي اقدر اقوله قلت لك إن الجدران سميكة وإن في ناس بتسمع حاجات في الهدوء انت اللي اخترت تسمع.”
يحيى شهق “يعني إيه؟ أنا مجنون يعني؟”
“لا، مش مجنون بس في حاجات مش كل الناس بتقدر تسمعها واللي يقدر يسمعها… بيخاف وبيطلع برا.”
صمت طويل
يحيى كان يشعر بأن الأرض تهتز تحته. “طب الصوت ده… لمين؟ ست بتستغيث أكيد ليها علاقة بواحدة عايشة هنا قبل كده ممكن حصلها حاجة لازم نبلغ البوليس.”
الحاج عبود ضحك ضحكة مكتومة جافة “البوليس؟ يا بُني، العمارة دي عمرها 80 سنة لو كل صوت فيها كان جريمة، كان البلد كلها اتسجنت أسمع… أنا عايش هنا 50 سنة سمعت أصوات كتير بكاء، صراخ، غناء، حتى قران بس اللي تسمعه… متأكد إنه من ناس عايشين دلوقتي؟”
يحيى جمد “إزاي يعني؟”
هز الحاج عبود كتفيه “أنا مش حكواتي عشان أشرحلك روح اسأل مدام روز، هي بتحب تحكي حكايات. لكن خد بالك: مش كل الأصوات اللي بتسمعها… جاية من زماننا احنا.”
يحيى نهض وهو يشعر بالدوار “الكلام ده مش منطقي.”
“المنطق”، قال الحاج عبود وهو يعود لجريدته، “ساعات بيسيب البيت ويمشي وانت عايش في بيته دلوقتي ألف سلامة.”
خرج يحيى من غرفة البواب، قلبه خافق السماء كانت غائمة، والمطر بدأ يتساقط من جديد.
وقف تحت سقف مدخل العمارة، يفكر
كل شيء قاله الحاج عبود كان غامضاً ومخيفاً “مش كل الأصوات جاية من زماننا” ماذا يعني هذا بحق السماء؟
قرر أن يعود لشقته، يحاول أن يتجاهل ما حدث ربما كان مجرد هلوسات سمعية بسبب التوتر والحرمان من النوم. ربما يحتاج لطبيب ربما يحتاج فقط أن يخرج أكثر.
فتح باب الشقة، دخل
في اللحظة التي أغلق فيها الباب خلفه، سمعها مجدداً.
لكن هذه المرة… كانت مختلفة.
لم يكن صوت استغاثة كان صوت حديث عادي امرأة تتحدث مع رجل كلمات غير مفهومة، لكن النبرة عادية وكأنها محادثة عادية في غرفة مجاورة.
لكن يحيى كان يعرف الآن أنها ليست محادثة عادية وأنها ليست من الجيران.
اقترب من الحائط وضع أذنه
الكلمات أصبحت أوضح فجأة:
“…وأنا قلت له إن الشقة دي حلوة أوي، خصوصاً إن الجدران فيها عازلة للصوت.”
توقف الصوت
يحيى شعر بقشعريرة تجمد الدم في عروقه
“عازلة للصوت؟” تمتم “إزاي فيه ناس بتتكلم عن عازل للصوت وأنا سامعهم كأنهم في أوضتي؟”
ثم فهم
العبارة كانت عن الجدران العازلة لكن من يقولها؟ ومنذ متى؟
لم تكن محادثة عادية. كانت محادثة عن نفس الشقة عن نفس المشكلة التي يعاني منها الآن.
وكأن أحداً قبل سنوات… كان يناقش بالضبط ما يعاني منه الآن.
جلس يحيى على الأرض وسط غرفة المعيشة، ظهره على الحائط، يحدق في الفراغ.
لم يعد يعرف إن كان مجنوناً، أم أن الجدران تخبئ سراً أكبر مما يتخيل.
في الخارج، المطار كانت تهطل بغزارة
وفي الداخل، بدأ الصوت الخافت يعود من جديد:
“…ساعدوني…”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock