فن وثقافة

رواية همسات

تأليف وكتابة -سيف محمد كامل

الفصل الثالث: خريطة الأصوات
استيقظ يحيى في صباح اليوم التالي وهو يشعر بأن رأسه سينفجر.
لم ينم جيداً كان يقلب في السرير، تارة يضع وسادته على أذنه لكتم الصوت، وتارة يجلس منتصباً يحدق في الجدار منتظراً عودة الهمس لكن الصوت لم يعد تلك الليلة صمت مطبق كالذي سبق عاصفة.
نهش جوعه، ففتح الثلاجة، أعد مكرونة سريعة التحضير أكلها وهو واقف في المطبخ، ينظر من الشباك الصغير إلى باحة العمارة الخلفية.
كانت منظراً كئيباً: جدران متسخة، أسلاك كهرباء متشابكة، وبعض الحمام يجلس على حافة سطح مجاور.
بعد الأكل، شعر بطاقة خفيفة قرر أن يفعل شيئاً عملياً سمع صوتاً قادماً من فوق: كريم وشيرين يتحدثان. هذه المرة لم يكونا يتشاجران كانت أصواتهما هادئة، وكأنهما يتناولان الإفطار معاً لحظة عائلية عادية.
يحيى أصغى قليلاً، ثم شعر بالخجل هذا ليس من شأنه لكن الفضول كان أقوى.
اقترب من الحائط. الصوت كان واضحاً. كريم يقول: “…وأمي عايزة تزورنا الجمعة، هنعمل غداء حلو” وشيرين ترد: “حلو، أشتري حاجة من الفرن ولا أعمل أكل؟
حديث عادي حديث بشر عاديين
ثم سمع صوتاً آخر.
من الناحية الأخرى من شقة مدام روز كانت تتحدث مع قططها: “بيبوش، تعالى يا حبيبي، مين ده اللي نايم على الكنبة؟ ده عيب، قوم”.
صوتان في وقت واحد من مصدرين مختلفين.
يحيى جمد أدار رأسه يميناً ثم يساراً الصوتان يأتيان بوضوح متساوٍ كان يمكنه تمييز كلمات كريم بوضوح، وفي نفس الوقت كلمات مدام روز كأنه يمتلك أذنين منفصلتين تستطيعان فلترة الأصوات.
لكن هذا ليس طبيعياً
في أي بناء عادي، لو كانت الجدران رقيقة، لكان الصوت الأقرب هو الأعلى هنا، يبدو أن كل الأصوات تأتي بنفس القوة والوضوح، وكأن المتحدثين موجودون في نفس الغرفة معه.
ذهب إلى غرفة النوم. هناك، الصوت الذي يسمعه مختلف نفس الصوت النسائي المستغيث، لكنه هذه المرة كان خافتاً عاد إلى غرفة المعيشة، اقترب من الحائط المقابل للشارع لا شيء عاد إلى الجدار الذي سمع منه الهمس في الليالي السابقة.
هنا
وضع أذنه سمع صوت مدام روز من بعيد، وصوت كريم وشيرين من بعيد، لكن الصوت الغامض لم يكن موجوداً الآن.
لكنه سيكون موجوداً في الليل كان يعرف ذلك.
فجأة، خطرت له فكرة ذهب إلى حقيبته، أخرج كراسة رسم وأقلام رصاص جلس في منتصف غرفة المعيشة، وبدأ يرسم.
رسم خريطة للشقة. غرفة المعيشة، المطبخ، الحمام، غرفة النوم ثم حدد النقاط التي سمع منها الأصوات غرفة النوم: الصوت النسائي المستغيث غرفة المعيشة، الجدار الشرقي: أصوات الجيران العاديين المطبخ: لا شيء تقريباً.
ثم بدأ يرسم مستويات الصوت شدة الصوت، وضوحه، توقيته.
بعد ساعة من العمل، كانت أمامه خريطة غريبة الصوت الغامض كان يأتي من نقطة محددة جداً في جدار غرفة النوم، خلف السرير تحديداً. الأصوات العادية كانت تأتي من كل الجدران تقريباً، لكن ليس بنفس القوة.
إذا كانت الجدران تنقل الصوت ببساطة، لكانت الخريطة متجانسة لكنها لم تكن.
بدأ يحيى يشك في أن الصوت الغامض ليس مجرد صوت جيران له مصدر مختلف.
قرر أن يجرب شيئاً.
نزل إلى الشقة رقم 12، دق الباب مدام روز فتحت بابتسامتها المعتادة.
“أهلاً يحيى، نورت تاني تعال تعال.”
دخل جلس على الكنبة نفسها مدام روز جلست مقابله.
“مدام روز، أنا عايز أسألك حاجة.”
“اسأل يا حبيبي.”
“بتسمعي أصوات في الليل؟”
تغير وجهها قليلاً. أصبحت النظرة أكثر جدية “أها بسمع قلت لك قبل كده.”
“بتسمعي صوت ست بتستغيث؟”
صمتت لثوانٍ. ثم هزت رأسها. “لا أنا بسمع قطط. قطط كتير و أحياناً… أحياناً بسمع زفة أصوات فرح.”
يحيى شعر بقشعريرة. “زفة؟”
“أها زمان، كان في العمارة دي فرح ستينات القرن الماضي. بابا حكى لي كانوا بيعملوا أفراح في البيت، والجيران كلهم بينزلوا أنا بسمع أحياناً المزيكا والزغاريد بالليل.”
“لكن الصوت اللي أنا بسمعه… ست بتستغيث مش قطط مش زفة.”
مدام روز نظرت إليه نظرة طويلة “كل واحد بيسمع اللي نفسه يسمعه، يا يحيى أو اللي الجدرا عايزه يسمعه.”
“مش فاهم”
أمالت رأسها “الجدران دي قديمة عمرها 80 سنة في ناس عاشت هنا، فرحت، زعلت، اتولدت، ماتت الأصوات بتاعتها بتنحفظ في الحوائط زي… زي المسجل القديم كده وكل ما حد جديد يسكن، المسجل بيشتغل تاني بس مش كل الأصوات بتظهر لنفس الناس.”
يحيى شعر بأن عقله يرفض هذا التفسير. “ده مش معقول أصوات تتحفظ في الحوائط؟”
هزت كتفيها “أنا مش عالمة يا ابني أنا بس بحكي اللي شفته بعيني وسمعته بأذني”
نهض يحيى “شكراً مدام روز أنا محتاج أفكر”
“على راحتك وتعالي في أي وقت أنا دايماً لوحدي هنا.”
خرج يحيى من الشقة، صعد السلم ببطء كان يفكر فيما قالته مدام روز الأصوات تتحفظ في الجدران؟ هذه فكرة مجنونة لكنها تفسر التناقضات التي يراها.
لكن لماذا يسمع هو صوت استغاثة بينما تسمع هي قططاً وزفة؟ هل لأن حالته النفسية تجعله يسمع ما يعكس خوفه الداخلي؟ أم لأن الجدران تختار من تظهر له الأصوات؟
في المساء، قرر أن يواجه الحاج عبود مجدداً.
نزل إلى غرفة البواب. كانت مفتوحة، لكن الحاج عبود لم يكن موجوداً انتظر قليلاً، ثم سمع صوت خطوات من خلفه.
الحاج عبود قادم من الشارع، يحمل كيساً بلاستيكياً فيه خبز وبعض الخضروات. نظر إلى يحيى بدون مفاجأة.
“تاني؟ تعال.”
دخلا الغرفة جلسا الحاج عبود وضع الكيس جانباً، أشعل سيجارة رقيقة، نظر إلى يحيى بعينين نصف مغلقتين.
“أنا عايز تفهمني”، قال يحيى “الأصوات اللي أنا سامعها مدام روز قالت لي إن الجدران بتحفظ الأصوات ده حقيقي؟”
الحاج عبود زفر الدخان ببطء”مدام روز بتحب تحكي لكن كلامها مش بعيد عن الحقيقة.”
“طب قولي انت الحقيقة.”
صمت طويل الحاج عبود بدا وكأنه يفكر في كلماته جيداً.
“في ناس بتقول إن المكان بيحتفظ بذكرياته أنا مش فاهم في الفيزياء، لكن أنا عايش هنا 50 سنة شفت ناس كتير سكنوا الشقة 13 كلهم سمعوا حاجات بعضهم سمع بكاء بعضهم سمع صراخ واحد قال إنه سمع راجل بيقرأ قرآن وواحدة ست كبيرة قالت إنها سمعت طفل بيعيط.”
“وأنا بسمع ست بتستغيث نفس الصوت كل ليلة تقريباً.”
الحاج عبود رفع حاجبه “نفس الصوت؟”
“أها. نفس الست بتنادي: ساعدوني. حد يساعدني بتتوسل.”
الحاج عبود أخمد سيجارته في منفضة صدئة نظر إلى يحيى نظرة مختلفة هذه المرة فيها شيء من القلق.
“من زمان بتسمعها؟”
“من أول ليلة كل ليلة تقريباً بتتكرر.”
“نفس الكلام؟”
“نفس الكلام بالظبط. زي شريط مسجل”
الحاج عبود صمت طويلاً ثم نهض، ذهب إلى الدولاب الخشبي في زاوية الغرفة، فتحه، أخرج ملفاً قديماً أصفر اللون عاد به إلى المكتب، فتحه، بدأ يقلب في أوراقه.
يحيى اقترب قليلاً. رأى أوراقاً قديمة، صوراً faded.
“بتدور على إيه؟”
الحاج عبود لم يجب استمر في التقليب ثم توقف عند ورقة معينة. نظر إليها طويلاً.
“في واحدة… كانت ساكنة في الشقة 13… من 25 سنة كانت ست شابة متجوزة جديد اختفت فجأة.”
يحيى شعر بقلبه يدق “اختفت إزاي؟”
الحاج عبود رفع رأسه. “مش عارف محدش عارف جوزها بلغ عنها. البوليس دور مالقوش حاجة في الآخر سافروا وسابوا العمارة الشقة فضلت فاضية سنين، وبعدين اتعاد تأجيرها.”
“ما اسمه؟”
“اسمها كان… نورا نورا عبد ربه كان جوزها اسمه هشام شاب شغال في البنك.”
نورا نفس الصوت؟ نفس الاسم؟
يحيى شعر بأن الدنيا تدور حوله “الصوت اللي أنا سامعه… يمكن يكون صوتها؟”
الحاج عبود هز كتفيه “يمكن يمكن لا الأصوات كتير في الجدران وفي أصوات من برضه… مش من زماننا.”
يحيى جمد “إزاي يعني مش من زماننا؟”
الحاج عبود أغلق الملف فجأة أعاده إلى الدولاب ثم جلس مجدداً.
“الزمن مش خط مستقيم، يا يحيى في ناس بتقول إن الزمن زي نهر لكن أنا شايفه زي… بحر الأمواج بتجيب حاجات من بعيد، وترميها على الشاطئ واحنا بنسمعها الجدران دي… شاطئ الزمن.”
يحيى كان يشعر بأنه يتحدث مع مجنون لكن المجنون كان يملك أوراقاً وصوراً وكانت مدام روز تؤكد نفس الشيء.
“طب أنا أعمل إيه؟ لو الصوت ده لست اتدبحت من 25 سنة، يبقى أنا بسمع جريمة قديمة أعمل إيه يعني؟ أبلغ البوليس؟ أقولهم إن جدار شقتي بيحكي جريمة من 25 سنة؟”
الحاج عبود رفع يديه باستسلام “ما تعملش حاجة اسمع أو ما تسمعش أنا مش مستشارك.”
نهض يحيى كان يشعر بالإحباط والغضب والخوف في نفس الوقت.
“شكراً حاج عبود.”
“العفو و… يا يحيى”
التفت “أها؟”
“في حاجة لازم تعرفها نورا دي… مش أول واحدة تختفي وفي ستات تانيين… نفس القصة اختفوا من بيوتهم نفس الشقة؟ مش عارف بس في حاجة غريبة: كل اختفاء كان له نفس الوصف ست شابة، متجوزة جديد، تختفي من البيت، ومحدش يعرف لها أثر.”
يحيى شعر ببرودة في ظهره “نفس الوصف؟”
“أها وفي حاجة تانية… آخر مرة اتشوفت فيها نورا كانت… قبل اختفائها بيوم كانت قاعدة في الشقة بتاعتها. والجيران سمعوا… سمعوا صوتها بتستغيث زي ما انت بتسمع دلوقتي.”
صمت
يحيى فتح الباب ليخرج كان على وشك أن يغادر، ثم توقف.
“الحاج عبود… اللي سمعوا صوتها ساعتها… عملوا حاجة؟”
الحاج عبود نظر إليه نظرة حزينة”عملوا. نزلوا دقوا الباب محدش فتح جوزها مكانش في البيت. استنوا شوية، مشيوا. الصوت وقف وفي اليوم التالي… أختفت.”
يحيى شعر بالغثيان. “يعني كان ممكن ينقذوها؟”
“يمكن يمكن لا مش عارف. أنا بقولك اللي حصل”
غادر يحيى الغرفة، وصعد السلم بخطوات ثقيلة كل كلمة قالها الحاج عبود كانت تضغط على صدره.
دخل الشقة، أغلق الباب، استند إليه الظلام حالك ،لم يشغل النور جلس على الأرض في الممر، يفكر
الليلة سيعود الصوت كان يعرف ذلك
وبدأ يفكر: ماذا لو لم يكن الصوت قادماً من الماضي فقط؟ ماذا لو كان هناك رابط آخر؟
ذهب إلى غرفة النوم. وقف أمام الجدار وضع يده عليه كان بارداً بارداً جداً
“نورا؟” همس “نورا، أنتِ هناك؟”
لا رد
انتظر. دقائق.
ثم سمعها،
الصوت لكن هذه المرة مختلف. ليس توسلاً، بل سؤالاً:
“…من أنت؟”
يحيى جمد قلبه توقف للحظة.
الصوت يتحدث إليه ليس مجرد تكرار إنه حوار.
أجاب بصوت مرتعش: “أنا… يحيى أنا ساكن في الشقة دي دلوقتي.”
صمت ثم الصوت عاد، أضعف قليلاً: “يحيى… أنا مش عارفة مين أنت… بس أنا خايفة هو قرب أنا حساه.”
“مين؟ مين اللي قرب؟”
“…مش عارفة. مش شايفاه بس حساه… حساه داخل.”
يحيى شعر بأن قلبه سينفجر “أنتِ فين؟ أنتِ في الشقة دي؟ دلوقتي؟”
“أنا… مش عارفة أنا في مكان… مظل. بس أنا بسمع صوتك… و بسمع صوته هو أنا خايفة.”
“أنا عايز أساعدك. قوليلي اسمك.”
“…نور اسمي نور”
يحيى شعر بالصدمة. نور نورا؟ أم نور أخرى؟
“نور إيه؟”
لكن الصوت بدأ يختفي “هو قرب… أوعى يسمعك… ساعدوني…”
ثم انقطع
يحيى ظل واقفاً يحدق في الجدار يداه ترتجفان نور اسمها نور نفس الاسم الذي قاله الحاج عبود.
لكن كيف يمكنها التحدث معه؟ إذا كان الصوت تسجيلاً من الماضي، فلا يمكن أن تسمعه وتجيب.
إذاً…
إذاً هي ليست في الماضي إنها في مكان ما في زمن ما والصوت يصل إليه عبر الجدار.
أو أن الجدار ليس مجرد مسجل إنه نافذة.
يحيى تراجع خطوة للخلف جلس على السرير كان يشعر بأن العالم من حوله ينهار
في الخارج، بدأ المطر يهطل من جديد.
وفي الداخل، بدأت الجدران تهمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock