
في خضم التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة ، تبدو الحرب على إيران كاشفة لا فقط لموازين القوة ، بل أيضًا لحجم الخلل الاستراتيجي العربي الذي تراكم عبر سنوات من التردد والانقسام ؛ فبينما تتساقط الصواريخ وتُستهدف منشآت الطاقة الحيوية ، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة :
هل كان يمكن تفادي هذا المشهد لو استجابت الدول العربية مبكرًا لدعوات بناء قوة عربية مشتركة … ؟؟؟
لقد حذّرت القاهرة مرارًا ، من خطورة ترك الأمن القومي العربي رهينة للتحالفات الخارجية أو الحسابات الضيقة ؛ ولم تكن الدعوة إلى إنشاء جيش عربي موحد مجرد رفاهية سياسية ، بل كانت قراءة استباقية لمشهد إقليمي يتجه نحو الانفجار واليوم ومع اشتعال الحرب ، تدفع بعض الدول العربية ثمن غياب هذا المشروع ، بعدما وجدت نفسها في مواجهة تهديدات مباشرة دون مظلة دفاعية جماعية حقيقية.
مصر بين المسؤولية والحسابات الواقعية
الموقف المصري من الحرب لم يكن يومًا غامضًا ؛ فقد أدانت القاهرة الهجمات على دول الخليج بشكل واضح ، وأكدت تضامنها الكامل مع الأشقاء ، لكنها في الوقت ذاته رفضت الإنخراط في تحالف عسكري مباشر ، مفضلة مسار التهدئة والدبلوماسية .
هذا التوازن لم يأتِ من فراغ ، بل من إدراك عميق بأن توسيع دائرة الحرب سيجر المنطقة إلى فوضى شاملة ، خاصة مع تهديدات تمس الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية .
وفي الوقت الذي تصاعدت فيه أصوات لوم مصر لعدم تدخلها عسكريًا ، كانت القاهرة تتحرك على الأرض في اتجاه مختلف :
فتح قنوات اتصال ، وقيادة جهود الوساطة ، والسعي لوقف التصعيد ؛ بل وأبدت أستعدادها لأستضافة مفاوضات دولية لإنهاء الأزمة ، في تأكيد واضح على دورها كركيزة استقرار إقليمي .
خلاف عربي … أم أزمة ثقة …؟؟؟
الحرب كشفت كذلك عن تباين حاد في المواقف العربية ؛ فبينما تبنت بعض دول الخليج نهجًا أكثر تشددًا ، فضّلت مصر خيار الاحتواء السياسي ، ما أدى إلى توتر غير معلن في العلاقات بين بعض الأطراف .
هذا التباين يعكس أزمة أعمق من مجرد اختلاف تكتيكي ؛ إنه غياب لرؤية عربية موحدة في التعامل مع التهديدات الكبرى.
والأخطر أن بعض الأصوات التي كانت ترفض فكرة القوة العربية المشتركة ، عادت اليوم لتطالب بالدعم العسكري من القاهرة ، دون أن تكون قد استثمرت سابقًا في بناء منظومة دفاع جماعي حقيقية .
تداعيات تتجاوز ساحة المعركة
الحرب على إيران لم تبقَ داخل حدودها ؛ بل امتدت تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ، مع تهديد منشآت النفط وخطوط الملاحة الحيوية .
كما أن احتمالات توسع الصراع إلى البحر الأحمر أو مضيق باب المندب تضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات كارثية قد تؤثر على التجارة الدولية بأسرها .
وفي الداخل العربي تتزايد المخاوف من ارتدادات أمنية واقتصادية ، خاصة في ظل اعتماد كثير من الدول على الإستقرار الإقليمي لضمان استمرار تدفقات الإستثمار والطاقة .
الدرس الغائب
ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب عابرة ، بل اختبار قاسٍ لفكرة الأمن القومي العربي ! فالدول التي لم تستثمر في بناء قوتها الذاتية أو في شراكات عربية حقيقية ، تجد نفسها الآن في موقف دفاعي هش .
أما مصر فرغم الإنتقادات فإنها تتحرك وفق معادلة دقيقة : دعم الأشقاء وحماية أمنها القومي ، وتجنب الإنزلاق إلى حرب مفتوحة لا رابح فيها ! وهو موقف قد يبدو للبعض متحفظًا ، لكنه في الواقع يعكس قراءة استراتيجية لما بعد الحرب لا مجرد انفعال لحظي .
ختامًا :
ربما يكون الثمن الذي يُدفع اليوم باهظًا ، لكنه يفتح الباب أمام مراجعة حقيقية :
هل يستمر العرب في إدارة أزماتهم بشكل فردي … ؟؟؟
أم يدركون أن زمن التكتلات قد حان ، وأن الأمن لا يُشترى بل يُبنى … !!!
الإجابة لن تحدد فقط مسار هذه الحرب ، بل شكل المنطقة لعقود قادمة .



