صحف وتقارير

مصر تعيد رسم معادلة القوة فى الخليج في لحظة شديدة التعقيد 

أيمن بحر

فى لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتقاطع فيها المصالح الدولية فوق مياه الخليج تبرز القاهرة كلاعب محورى يعيد صياغة معادلة التوازن فى المنطقة بهدوء محسوب وقراءة دقيقة لموازين القوى العالمية فلم يعد تأمين الملاحة فى مضيق هرمز مجرد مسألة ممرات بحرية بل تحول إلى عنوان لصراع إرادات بين قوى دولية تسعى للهيمنة وقوى إقليمية تبحث عن الاستقرار
فى هذا المشهد المتغير تتحرك مصر وفق رؤية استراتيجية تقوم على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد الاقتصاد العالمى وسلاسل الطاقة الدولية ومن خلال تحركات سياسية ودبلوماسية واسعة استطاعت القاهرة أن تطرح نفسها كطرف قادر على التهدئة وصناعة التوازن فى وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى تشكيل تحالفات عسكرية فى الخليج
التحرك المصري لم يأت فى فراغ بل جاء فى إطار قراءة أعمق للتحولات الدولية حيث تتشكل ملامح نظام عالمى جديد تتقدم فيه قوى صاعدة مثل روسيا والصين وتسعى فيه دول المنطقة إلى تنويع تحالفاتها الاستراتيجية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية وفى هذا السياق تحافظ القاهرة على شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية بما يمنحها مساحة حركة أوسع فى إدارة الأزمات
كما أن موقع مصر الجغرافى وقدراتها العسكرية والبحرية يمنحانها دوراً طبيعياً فى حماية طرق التجارة الدولية الممتدة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط وهى طرق تمثل شرياناً رئيسياً لحركة النفط والتجارة العالمية وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمى مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة الدول المحورية على منع التصعيد وإدارة التوترات
وتدرك القاهرة أن المعركة الحقيقية فى المرحلة الحالية ليست فقط معركة عسكرية بل هى أيضاً معركة وعى وتوازن سياسي حيث تتشابك ملفات الأمن الإقليمى من ليبيا إلى السودان مروراً بملف سد النهضة وهو ما يفرض على الدولة المصرية الحفاظ على جاهزية استراتيجية شاملة تحمى أمنها القومى وتضمن استقرار محيطها الحيوى
وفى ظل هذه المعادلات المعقدة تواصل مصر التحرك وفق سياسة تعتمد على الردع الهادئ والدبلوماسية النشطة فى آن واحد وهو مزيج يمنحها القدرة على التأثير فى مسارات الأحداث دون الانجرار إلى صراعات مباشرة قد تزيد من اشتعال المنطقة
وهكذا تبدو القاهرة اليوم لاعباً محورياً فى معادلة الأمن الإقليمى ليس فقط بحكم قوتها العسكرية بل أيضاً بفضل قدرتها على إدارة التوازنات الدولية والإقليمية بحكمة وهو ما يجعلها رقماً صعباً فى أي معادلة تخص مستقبل الاستقرار فى الشرق الأوسط
وفى وقت تتغير فيه خرائط النفوذ والتحالفات تبقى مصر ثابتة فى موقعها كقلب جغرافى وسياسي للعالم العربى ودولة قادرة على تحويل التحديات الكبرى إلى فرص لتعزيز الاستقرار وصناعة التوازن فى منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock