دين ومجتمع

مع نهاية شهر رمضان… هل عدنا حقّا عبادا لله ؟ 

بقلم : معز ماني . تونس

 

مع اقتراب نهاية شهر رمضان من كل عام، تتكرر الأسئلة ذاتها في وجدان الإنسان: ماذا تغيّر فينا ؟ وهل خرجنا من هذا الشهر كما أراده الله مدرسة للروح، أم مجرد موسمٍ عابر للصيام والجوع ؟ .

لكن السؤال الأكثر إزعاجا، وربما الأكثر صدقا، هو هذا: هل عدنا فعلا عبادا لله، أم عدنا فقط إلى عاداتنا القديمة؟ .

رمضان، في جوهره، ليس مجرد نظام غذائي مؤقت يبدأ بالفجر وينتهي بالمغرب، لم يشرّع الصيام ليكتشف الإنسان فجأة أنه يستطيع العيش دون قهوة الصباح، بل ليكتشف شيئا أكثر صعوبة: أنه يستطيع العيش دون شهواته، دون غروره، دون أنانيته. ومع ذلك، يبدو أن كثيرا منا أتقن الجزء الأسهل من التجربة وترك الجزء الأصعب .

نحن نجيد الصيام عن الطعام، لكننا نفطر مبكرا على الغضب.نجيد الإمساك عن الماء، لكننا نطلق ألسنتنا في النميمة كما لو أنها رياضة رمضانية.نحسن قراءة القرآن بصوت جميل، لكننا نغلق المصحف سريعا حين يصل دوره في تعديل سلوكنا .

في رمضان تتحول المساجد إلى فضاء ات عامرة بالمصلين، وتزدحم الأسواق بالمشترين، وتزدهر الإعلانات أكثر من التأملات، وكأن الشهر المبارك أصبح، في بعض الأحيان، مزيجا غريبا من العبادة والاستهلاك، نصلي بخشوع، ثم نهرع لشراء ما يكفي لإطعام حيّ كامل .

في رمضان تبدو الصورة مثالية، المساجد ممتلئة، المصاحف مفتوحة، الألسن تلهج بالدعاء، والدموع تنهمر في صلاة التراويح كما لو أن السماء على وشك أن تفتح أبوابها، حتى إن المرء يكاد يظن أن المجتمع قد اكتشف فجأة سرّ القداسة.

لكن ما إن ينقضي الشهر، حتى تبدأ المفارقة التي تستحق قليلا من التأمل، وربما كثيرا من السخرية.

فبعض الذين كانوا في الصفوف الأولى في صلاة التراويح، يعودون بسرعة مذهلة إلى الصفوف الأولى في طوابير الاحتكار، بعدما أجادوا الغش ،ورفع الأسعار في رمضان .

وأولئك الذين بكوا خشوعا عند آيات الرحمة،والذين أطالوا السجود في المساجد، يقصرون كثيرا في سجود الضمير حين يتعلق الأمر بجيوب الناس،كأن الله في تصور البعض، يسكن المسجد فقط، ولا يزور الأسواق .

في المسجد نهمس: اللهم تقبل منا،وفي السوق نهمس: ارفع السعر قليلا فالطلب كبير .

في المسجد نقرأ: ويل للمطففين،وفي التجارة نفسّر الآية بطريقة مرنة تسمح ببعض “الاجتهاد الاقتصادي”.

وهكذا تتحول العبادة، أحيانا، إلى موسم روحي منفصل عن الحياة اليومية، نصوم لله، ثم نتعامل مع الناس وكأن السوق خارج نطاق الرقابة الإلهية .وربما المشكلة ليست في قلة الصلاة، ولا في قلة الصيام، بل في هذا الانفصال الغريب بين الله في المسجد، والإنسان في السوق .

فالدين، في جوهره، لم ينزل لينظّم علاقة الإنسان بالسجادة فقط، بل علاقته بالميزان أيضا،ولم يشرّع الصيام ليختبر قدرة الإنسان على تحمل الجوع، بل قدرته على كبح الجشع .

لكن يبدو أن بعضنا فهم الدرس بطريقة مختلفة، صيام بلا صوم،نصوم عن الطعام، لكننا لا نصوم عن الطمع،

نمتنع عن الماء، لكننا لا نمتنع عن الاحتكار،نخفض أصواتنا في الدعاء، لكننا نرفع الأسعار بلا خجل .

والأعجب من ذلك أن كل هذا يحدث مع قدر لا بأس به من الاطمئنان الديني، وكأن الضمير حصل على إجازة رسمية بعد ليلة العيد ،وهنا تكمن المفارقة التي تجعل السؤال أكثر إلحاحا،هل المشكلة في قلة التدين، أم في شكل التدين ؟ .

ومع نهاية رمضان، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو،كم ركعة صلينا ؟،أو كم ختمة قرأنا ؟ .بل سؤال أبسط وأصعب .

حين نفتح محلاتنا، ونقيس أرباحنا، ونقرر أسعارنا،هل ما زلنا نتذكر أن الله موجود هناك أيضا؟ ،ماذا عن أخلاقنا في المعاملات ؟ .

فإن كان الجواب نعم، فربما خرجنا من رمضان عبادا لله حقّا .أما إن كان الجواب مختلفا، يبقى السؤال مفتوحا، وربما سيظل يتكرر كل عام،مع نهاية شهر رمضان،هل عدنا حقّاعبادا لله؟،أم أننا فقط أكملنا موسما آخر من الصيام ،ولم يعرف الصوم طريق بيوتنا ؟ .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock