فن وثقافة

هذيان قلم في منتصف الليل

بقلم تواتي صالح – الجزائر

 

 

الليلة الرابعة عشر – بين أزقة المدينة القديمة

أواصل بحثي عنها…

لم أتعب من الطرق، لكنني تعبت من الفراغ الذي يسبق اسمها حين أناديها ولا تجيب.

المدينة القديمة كانت ساكنة تلك الليلة، حجارتها دافئة من شمس النهار، وأبوابها الخشبية مواربة كأنها تخفي أسرار العاشقين. كنت أمشي ببطء، أتحسس الجدران، أراقب النوافذ، كأنني أبحث عن ظلي فيها… أو عنها.

قلت في سرّي

يا ليل، إن كانت تمرّ من هنا، فدلّها عليّ كما دللتني عليها.

وعند منعطف ضيق، تحت مصباح خافت، رأيتها.

لم يكن ظهورها مفاجئًا، بل كان حتميًا… كأن الأزقة كلها قادتني إلى هذه اللحظة.

همستُ

ـ صغيرتي…

التفتت ببطء، وفي عينيها شيء بين الدهشة والاطمئنان.

ـ كنت أعلم أنك ستجدني… حتى وإن طال الطريق.

اقتربت خطوة، ثم توقفت.

ـ لم يكن الطريق طويلًا… كان خاليًا منك فقط.

ابتسمت، وارتجف صوتها

ـ اشتقت إليك بطريقة أخافتني… كنت أضع يدي على قلبي كل مساء وأقول له اصبر، سيأتي.

مددت يدي نحوها.

لمسة أصابعها لامست أصابعي، فارتعش شيء عميق في داخلي.

لم يكن مجرد لمس… كان اعترافًا بأن الغياب انتهى.

شدَدتها إليّ.

الحضن الأول بعد الفراق لم يكن عاصفًا، كان بطيئًا، عميقًا، كأننا نعيد ترتيب أنفاسنا.

وضعت رأسها على صدري، وهمست

ـ هل كنت تفكر بي فعلًا… أم أنني كنت ذكرى جميلة فقط؟

أجبتها دون تردد

ـ كنتِ أنتِ الحاضر الوحيد في كل أيامي.

جلستْ على عتبة بيت قديم، وسحبتني لأجلس قربها.

ـ حدّثني… ماذا فعل بك الغياب؟

تنهدت

ـ علّمني أن لا أستهين بلحظة قرب… وأن لا أؤجل كلمة أحبك.

سكتت لحظة، ثم قالت

ـ كنت أخاف أن أراك فأبكي.

ـ ابكي إن أردتِ… لكن لا تختفي.

ضحكت بخفة، ومسحت دمعة تسللت رغماً عنها.

مشينا بين الأزقة، أيدينا متشابكة، نمرّ تحت الشرفات، نسمع وقع خطواتنا، والمدينة كأنها تنصت لحديثنا.

وقفت فجأة، نظرت إليّ طويلًا

ـ لا تتركني أعود إلى الانتظار.

نظرت في عينيها

ـ لن أبحث عنك بعد الآن… لأنني وجدتك.

وكانت المدينة شاهدة على وعدٍ لم يُكتب، لكنه سكن القلب.

الليلة الخامسة عشر – أندلس غامضة تحت قمرٍ كامل

لم تنتهِ رحلتي عند الأزقة…

فالقلب إذا ذاق اللقاء، اشتاق لرحلةٍ أخرى.

دخلتُ الأندلس وقمري يسبقني.

الحدائق عابقة برائحة البرتقال، والماء ينساب في السواقي كأنه يهمس بأسماءٍ قديمة.

أواصل البحث عنها… لكنني هذه المرة لم أكن خائفًا.

كنت أعلم أنها قريبة… كما يكون النبض قريبًا من الروح.

رأيتها على شرفة تطل على فناء تتوسطه نافورة.

كانت تنظر إلى الماء، كأنها تنتظر انعكاسي فيه.

قلت بهدوء

ـ أهذه طريقتك في الاختباء؟

ابتسمت دون أن تلتفت

ـ وأهذه طريقتك في الوصول متأخرًا؟

صعدت الدرج ببطء.

كل خطوة كانت تحكي عن شوقٍ كتمناه طويلًا.

حين اقتربت، التفتت إليّ.

في عينيها ألف سؤال، وألف يقين.

ـ ظننتك لن تأتي، قالت بصوت منخفض.

ـ كنت أقاتل الوقت لأصل.

اقتربت أكثر، حتى لم يبقَ بيننا سوى نفسٍ واحد.

مدّت يدها تلمس وجهي

ـ الغياب غيّرك قليلًا… لكنه لم يُطفئك.

وضعت كفي فوق يدها

ـ وأنتِ… كبرتِ في قلبي أكثر مما تتخيلين.

انحنت قليلًا، وأسندت جبينها إلى جبيني.

اللحظة كانت معلّقة بين السماء والأرض.

ـ هل اشتقت لي حقًا؟ سألتني.

ـ اشتقت لكِ حين كنت أضحك، واشتقت لكِ أكثر حين كنت أصمت.

احتضنتني بقوة هذه المرة، كأنها تخشى أن يتبخر المشهد.

الحضن هنا لم يكن فقط لقاء… كان عودة روحٍ إلى موطنها.

جلسنا قرب النافورة.

الماء يعكس صورتنا المرتجفة.

قالت

ـ كنت أكلم القمر كل ليلة… أطلب منه أن يراك.

ابتسمت

ـ وأنا كنت أطلب من الليل أن يحرسك.

سرنا في الحدائق، بين الأعمدة المزخرفة، وأصوات خطواتنا تختلط بموسيقى الماء.

كان كل شيء ملحميًا… لا لأن المدينة عظيمة، بل لأن الشوق فيها كان أعظم.

وقفت تحت شجرة برتقال، وأمسكت يدي

ـ إن ضعتَ مرة أخرى… لا تبتعد كثيرًا.

قلت لها

ـ وإن اختبأتِ مرة أخرى… اتركي لي أثرًا في الضوء.

نظرنا إلى القمر، وكأننا نكتب وعدًا جديدًا في سمائه.

الليلة السادسة عشر – صحراء تعرف أسماء العاشقين

بعد الحدائق، كان لا بد من فضاءٍ أوسع…

الصحراء.

أواصل البحث عنها، لكنني هذه المرة لم أكن أركض.

كنت أمشي بثقة من يعرف أن اللقاء سيحدث.

الرمال تمتد بلا نهاية، والسماء صافية، والقمر يسكب فضته على الأرض.

جلست على كثيب مرتفع، أحدث الليل

إن كانت تسمعك، فأخبرها أنني لم أعد أخاف الغياب… ما دمتُ أعرف طريقها.

سمعت خطوات خلفي.

لم ألتفت فورًا.

عرفت أنها هي.

ـ ظننتك ستتعب من البحث، قالت.

ابتسمت

ـ تعبت من البعد… لا من الطريق.

جلست بقربي، كتفها يلامس كتفي.

الصمت بيننا كان عميقًا، لكنه مطمئن.

ـ كنت أراك في كل سراب، قالت، أمد يدي فلا أجدك.

ـ وأنا كنت أرى طيفك في كل نجمة… فأحدثها عنك.

نظرت إليّ

ـ هل كنت تخاف أن أنساك؟

ـ كنت أخاف أن أعتاد غيابك.

سكتت لحظة، ثم وضعت يدها في يدي.

الدفء كان حقيقيًا، ثابتًا.

ـ لا أريد أن نعود إلى المطاردة، قالت.

ـ ولن نعود… سنمشي جنبًا إلى جنب.

ضممتها إليّ، والحضن هذه المرة كان هادئًا، ممتدًا، كأننا نتصالح مع كل ما فات.

الريح تمرّ حولنا، والقمر شاهد، والرمال تحفظ أثر خطواتنا.

قالت بصوت خافت

ـ خذني إلى الليلة القادمة… لكن برفق.

نظرت إلى الأفق، حيث يلتقي الرمل بالسماء، وشعرت أن الرحلة لم تنتهِ بعد… بل بدأت للتو.

لكن…

ماذا لو لم تكن الليلة القادمة هادئة؟

ماذا لو كان هناك زمنٌ جديد ينتظرنا… يحمل اختبارًا لم نمرّ به من قبل؟

في الأفق، كانت تلوح مدينة لا تشبه ما عرفناه، وسماء بلونٍ لم نره من قبل…

والقلب، رغم الطمأنينة، كان يستعد لشيءٍ أكبر.

ليلةٌ قادمة…

قد تغيّر كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock