
لا يخلو إنسان في هذه الدنيا من لحظة زعل، ولا تمرّ حياة دون أن يترك فيها الآخرون أثرًا، قد يكون فرحًا أو خيبة. فالزعل شعور إنساني طبيعي، لا يدل بالضرورة على الضعف، بل غالبًا ما يكون انعكاسًا لعمق المشاعر وقيمة الأشخاص في حياتنا.
لكن الحقيقة التي قد لا ننتبه لها كثيرًا، أن ليس كل الناس نستحق أن نزعل منهم.
فالزعل، مثل المحبة، درجات، ويأتي دائمًا على قدر القرب والمكانة. نحن لا نحزن من الغرباء، ولا نتألم من العابرين، بل من أولئك الذين منحناهم جزءًا من قلوبنا، وثقة منحت دون حساب.
هناك أشخاص نزعل منهم لأبسط موقف، لكلمة لم تُقال في وقتها، أو تصرّف بدا عابرًا لكنه جرح أعمق مما نتخيّل.
هؤلاء لأنهم قريبون، ولأن حضورهم في حياتنا مؤثر، يكون الزعل منهم موجعًا وصامتًا في أحيان كثيرة.
وفي المقابل، هناك أشخاص يفعلون الكثير من الأمور المؤذية، وربما المشينة، دون أن نشعر تجاههم بزعل حقيقي. لا لأن أفعالهم غير مؤلمة، بل لأن مكانتهم في قلوبنا لم تعد تسمح بالزعل. هنا لا نزعل منهم، بل نزعل على أنفسنا…
لأننا في وقتٍ ما اخترناهم، ومنحناهم مساحة لا يستحقونها.
الزعل إذًا ليس ضعفًا، بل مقياس. مقياس للمحبة، وللثقة، وللقيمة التي نمنحها للآخرين.
وهو في أحيان كثيرة رسالة صامتة تقول: كنت مهمًا… وما زال في القلب شيء.
وربما أجمل ما نتعلمه مع الوقت، أن نختار جيدًا ممن نزعل، وأن نعرف متى يكون الزعل دليل محبة، ومتى يكون تجاهل الزعل هو عين الحكمة. فسلامنا النفسي لا يحتمل أن نهدر مشاعرنا على من لا يشعر بنا، ولا يقدّر حضورنا.
في النهاية، الزعل الحقيقي لا يكون إلا على من أحببناهم بصدق، أما الآخرون… فيكفيهم أن يصبحوا ذكرى، ودرسًا لا يُنسى.



