
الحمد لله أعظم للمتقين العاملين أجورهم، وشرح بالهدى والخيرات صدورهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفق عباده للطاعات وأعان، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله خير من علّم أحكام الدين وأبان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلم تسليما مزيد ثم أما بعد إن الوطن أغلى ما نملك، فهو كيان يجمعنا ويحتضننا، فالوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو مهد ذكرياتنا، ومرتع طفولتنا، وملاذ كهولتنا، وهو أرض الآباء والأجداد التي لا يمكن أن نجد لها بديلا، وأن الوطن هو مهد الطفولة والذكريات، وأرض الأجداد التي لا بديل لها، وأن حب الوطن يتجاوز كونه شعورا إلى واجب وإلتزام بالعطاء له والدفاع عنه، فهو الهوية والماضي والمستقبل الذي لا يستغني عنه الإنسان.
واعلموا يرحمكم الله أن الوطن الآمن يبنى على خلق التعاون والأخوة الإيمانية، حيث قال الله تعالي ” وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان ” وإن شكر نعمة الوطن الآمن يكون برفع رايته وعدم خيانته وحراسته من دعاة الفساد والفتن والخراب الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وإن الواجب علينا تجاة وطننا هو بناؤه وتعميره والترقي به، فقد حثنا الإسلام على تعمير الوطن بكل أنواع التعمير، فقال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن إستطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل ” رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم ” ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ” متفق عليه، ومثل الزراعة الصناعة والتجارة، وكما أن من الواجبات علينا تجاة وطننا.
هو الحفاظ على أمنه وإستقراره ووحدة كلمته ومحاربة كل ما من شأنه تفريق المجتمع الإسلامي الواحد، إمتثالا لقول الله سبحانه وتعالى ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” وتطبيقا لقوله عز وجل ” إن هذه أمتكم أمة واحدة ” وكما أن من الواجبات علينا تجاة وطننا هو نشر التكافل والتعاون بين أهله، فعن النعمان بن بشير قالن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم ” مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ” متفق عليه، وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعريين قائلا ” إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم إقتسموه بينهم في إناء واحد، بالسوية، فهم مني وأنا منهم ” متفق عليه، وكما أن من الواجبات علينا تجاة وطننا.
هو حمايته والدفاع عنه، ففي الحديث الصحيح الذي رواه سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ” رواه النسائي، ونتساءل أين يحفظ المال ويصان؟ وأين تستقر الأم والابنة والزوجة والعمة؟ وأين تقام شعائر الدين؟ وأين تحصن النفس وتعصم؟ أليس في أرض الوطن وعلى أرض الوطن؟ فالدفاع عن الوطن هو في الحقيقة دفاع عن المال والأهل والدين والدم، فيا أيها المؤمنون إن الوطن وما أدراكم ما الوطن؟ إنه محضن الخير وموطن البر ومنبع العطاء ومجمع الأرحام والأقرباء وملتقى الأحبة والأصدقاء، على أرضه تقام الشعائر، وبربوعه ترتبط المشاعر، فتحن الكرام لأوطانها حنين الطيور لأوكارها، والوطن هو رغيف الخبز، والسقف والشعور بالانتماء، والدفء، والإحساس بالكرامة.



