
اعلموا أن أعظم الفرص هي فرصة الحياة حين لا تنتهز قبل الموت، وإن اغتنام هذه الفرص لا يكون إلا بالبدار إلى الخير والمسارعة إلى البر، وهذا دليل على قوة إرادة المغتنم لها وعزمه الموفق ومن فرح بالبطالة جَبن عن العمل، فإن هذه الدنيا متاع زائل كمائدة شبعها قصير، وجوعها طويل، فمن اشتغل بها خسرها وخسر الباقية، وعندما يمضى رمضان وينصرم يخلف وراءه الناس على أنواع، نوع ظن أن الله لا يُعبد إلا فى رمضان، فهاجر بيوت الله، وانقطع عن الطاعات، وانغمس فى الأهواء والشهوات، وبئس القوم لا يعرفون الله إلا فى رمضان، ونحن فى شهر عظيم أنزل فيه القرءان شهر رمضان، فهو أيام فضيلة مباركة يكثر فيها أعمال الخير ولكن لا تنسوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ” أى كل عمل لا يوافق شريعتنا فهو ردّ أى مردود.
وكيف يُعرف المردود من الصحيح المقبول ؟ فإنه يُعرف بالعلم الشرعي، ويُعرف بحضور مجالس علم الدين فالجاهل كالتائه في الصحراء بلا دليل لا يدرى هل يقترب من مبتغاه أم يبتعد، فالجاهل لا يضمن صحة صلاته ولا صحة صيامه ولا صحة حجه، وأما حكم العمرة فى رمضان؟ فعن ابن عباس رضى الله عنهما قَال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته قال لأم سنان الأنصارية ” ما منعك من الحج؟” قالت أبو فلان وتعنى زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقى أرضا لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” فإن عمرة فى رمضان تعدل حجة ” رواه الترمذى، وعن أم معقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” عمره فى رمضان تعدل حجه” رواه الترمذى، ومن فاتته عمرة فى رمضان فأبواب الخير كثيرة منها أن يصلى الصبح في جماعة ثم يجلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس.
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من صلى الغداة فى جماعه ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” تامة تامة تامة” قال أبو عيسى الترمذى هذا حديث حسن غريب، وأما عن حكم الصيام، فإنه ينقسم الصيام بالنظر إلى حكمه إلى عدة أنواع، ومنها الصيام الواجب، وينقسم إلى قسمين، فإما أن يكون صياما واجبا، خاطب الشرع عموم المكلفين به ويتمثل بصيام شهر رمضان، وإما أن يكون صياما واجبا، بسبب من المكلف وهو صيام الكفارات والنذور، ومن أمثلة صيام الكفارات، هو كفارة اليمين، وكفارة القَتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع فى نهار رمضان، وفدية الأذى للمحرم، وفدية لمن لم يجد الهدى، وفدية جزاء قتل الصيد حال الإحرام.
والنوع الثانى من الصيام هو الصيام المستحب، وهو صيام التطوع، بشرط ألا يكون فى يوم حُرّم صيامه، وقد بينت الأحاديث فضل صيام التطوع، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من صام يوما فى سبيل الله، عز وجل باعد الله وجهه من جهنم، سبعين عاما” ومن الصيام المستحب هو صيام ستة أيام من شوال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر” ومن الصيام المستحب أيضا هو صيام أول ثمانية أيام من شهر ذى الحجة، على اعتبار أنها من عموم الأعمال الصالحة التي ثبت فضل المبادرة إليها فى أيام العشر من ذى الحجة، بالإضافة إلى يوم عرفة لغير الحاج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” صيام يوم عرفه أحتسب على الله أن يكفر السنه التى قبله والسنة التى بعده” ومن الأيام المستحب صيامها.
هو يوم التاسع والعاشر من شهر محرم، والشهر بعمومه، ويومى الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار يوم آخر، وأما عن الصيام المكروه، فإنه يكره الصيام في عدة أيام وأحوال منها صيام الدهر أى مواصلة الصيام كل يوم دون انقطاع، باستثناء الأيام المنهى عنها، وكذلك يكره صوم الوصال، أى صيام يومين متتاليين، دون الفطر بينهما، كما يكره صيام يوم عرفة للحاج، وصيام يوم الجمعة منفردا، أو السبت منفردا، وتخصيص شهر رجب بالصيام، وأما عن الصيام المحرّم، إذ يُحرّم صيام يومي العيدين، وأيام التشريق وهى الحادى والثانى والثالث عشر، من شهر ذى الحجّة، وكذلك يُحرّم صيام يوم الشك، وهو اليوم الثلاثون من شهر شعبان.



