
المسرح : غرفة عارية تماماً. لا مرآة ، لا ستارة
لا ضوء إلا مصباح واحد يتأرجح كقلب متعب.
طارق يدخل حافي القدمين ، يجلس على الأرض مباشرة ظهره إلى الجدار ، ركبتاه مرفوعتان ، ذراعاه تحتضنان الساقين كأنه يحرس ما تبقى منه.
ينظر إلى الجمهور بعينين لا تهربان
عينين تعرفان أن لا مفر.)
طارق : (بصوت خشن ، كأنه يخرج من حنجرة جافة منذ سنين)
أنا طارق.
لست قصة ولا حكاية ولا راوياً ينتظر الفجر.
أنا مجرد هذا الجسد الذي يجلس هنا الآن
يتنفس بصعوبة ، يشعر بثقل الرئتين
بألم الظهر الذي يئن من كثرة الجلوس على الكراسي الرخيصة في المقاهي والمكاتب والغرف التي لا تُفتح.
(يمد يده أمامه ، ينظر إلى كفه كأنه يراه لأول مرة)
هذه اليد
هذه اليد التي كتبت رسائل حب لم تُرسل
ووقعت عقوداً لم تُفهم ، ومسحت دموعاً لم تُبكَ بصوت عال هذه اليد ليست رمزاً ، ليست استعارة
إنها لحم وعظم وأوردة تتحرك تحت الجلد
وهي تتعب . تتعب من حمل ما لا يُرى : الندم الذي يثقل كحقيبة مليئة بحجارة الأيام الماضية.
(يضرب صدره برفق ، مرة ، مرتين)
هنا ، تحت هذه الضلوع ، يوجد قلب
ليس قلباً شعرياً ينبض بالعشق والألم الممجد
قلب حقيقي ، يضخ الدم ببطء أحياناً
يتسارع أحياناً أخرى من الخوف أو الغضب أو مجرد التعب قلب يعرف أنه سيتوقف يوماً ، وهذا اليقين وحده
يكفي ليجعل كل لحظة ثقيلة.
أنا لا أبحث عن معنى كبير لا أريد أن أكون بطلاً ، ولا ضحية ولا حتى شاهداً على عصري. أريد فقط أن أعترف :
‘ أنا خائف ‘
خائف من أن أموت وأنا لم أعش حقاً
لم أقل ‘ أحبك’ حين كان يجب أن أقولها
لم أبك حين كان الدمع يحرق العينين
لم أصرخ حين كان الصمت يخنق الحلق
أرى الطفل الذي كنت ، يضحك بلا خوف
يركض في حقول الذاكرة حيث كان العالم واحة لا صحراء
ثم الشاب الذي أحببت ، أحببت
بقلب مفتوح كباب مسجد في ليلة القدر
لكن الخوف جاء كلص في الظلام سرق الثقة ، أغلق الأبواب
أنا الذي قتلت الحب قبل أن يولد ، خوفاً من أن يموت
أنا الذي باع حلمي مقابل راحة زائفة
كتاجر يبيع روحه في سوق الوهم
(يقف ببطء ، يمشي خطوتين نحو حافة المسرح
يتكلم كأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطب الآخرين)
الوجود ليس لغزاً يُحل. الوجود هو هذا :
جسد يأكل ، يشرب ، ينام ، يتألم ، يشتهي ، يندم ، ينسى يتذكر ، ثم يموت. وفي كل ذلك
هناك لحظة صغيرة ، دقيقة ، يقول فيها الإنسان لنفسه :
‘ أنا موجود ‘ . ليست لحظة انتصار ، ليست لحظة اكتشاف مجرد لحظة اعتراف بسيط : أنا هنا ، وأنا أشعر بهذا الثقل وهذا يكفي لأكون حقيقياً.
(يعود ، يجلس مرة أخرى على الأرض
يهمس الآن ، صوته يقترب من الصمت)
لا أريد خلاصاً كبيراً. لا أريد أن أصير شيئاً آخر
أريد فقط أن أبقى هنا ، في هذا الجسد المتعب
أتنفس ، أشعر بألم الظهر ، بحرارة الدم في الشرايين
بثقل الرأس على الكتفين. أريد أن أقول :
نعم ، أنا خائف ، ونعم ، أنا وحيد ، ونعم
أنا أحياناً أكره نفسي ، ومع ذلك ، أنا موجود
أخاف أن أكون مجرد صوت يتردد في غرفة فارغة
يتكلم مع الجدران لأن الجدران لا ترد بالرفض
أخاف أن أمد يدي يوماً فلا أجد يداً ترد عليها
فأبقى واقفاً هكذا ، يدي معلقة في الهواء كعلم أبيض
استسلم قبل أن يبدأ القتال
أعترف أنني كذبت على نفسي كثيراً
قلت لها : ‘ أنت قوي ‘ ، وأنا أشعر بكل عظم
في جسدي يئن تحت الوزن.
قلت : ‘ أنت بخير ‘، وأنا أسمع صوت قلبي
يضرب في الصدر كطفل يطرق باباً مغلقاً منذ سنين
قلت : ‘ لا يهم’ ، وكل شيء يهم ، كل نظرة
كل كلمة لم تُقل كل لمسة لم تحدث
كل ليلة نمت فيها وأنا أحلم بما لم أجرؤ على طلبه
أعترف أنني أحببت بطريقة جبانة
أحببت من بعيد ، كمن ينظر إلى بحر من خلف زجاج
يرى الأمواج تتقاذف ولا يغامر بالنزول إليها
خفت أن أغرق ، فبقيت على الشاطئ أجمع قشور الكلمات أبني منها قصوراً وهمية لا تسكنها إلا الذكريات
أعترف أن الندم يسكنني كضيف ثقيل لا يغادر
يجلس معي على الطاولة حين آكل وحدي
ينام بجانبي حين أنام ، يستيقظ معي قبل أن يطلع الفجر يهمس في أذني : ‘ تذكر اليوم الذي سكت فيه؟
تذكر الليلة التي قلت فيها كفى؟’
وأنا أرد عليه بصمت ، لأن الصمت هو
الجواب الوحيد الذي أملكه الآن
أعترف أنني أريد أن أبكي ، بكاء حقيقياً
بلا خجل ، بلا أن أمسح الدموع سريعاً كأنها عيب
أريد أن أصرخ في وجه السماء :
‘ لماذا جعلتني هكذا؟ لماذا أعطيتني
قلباً يتألم ولا يعرف كيف يشفى؟’
لكنني أبقى صامتاً ، لأن الصرخة تحتاج شجاعة
والشجاعة تحتاج اعترافاً أعمق مما أملكه الآن
وأعترف أنني رغم كل هذا ، لا أزال أحمل أملاً صغيراً
هشاً كورقة شجر في ريح الخريف
أمل أن يأتي يوم أقول فيه لنفسي :
‘ كفى كذباً ، كفى خوفاً ، كفى صمتاً ‘
يوم أمد يدي ، لا لأطلب شيئاً
بل لأعطي ما تبقى مني
يوم أنظر في عيني الآخر وأقول :
‘ هذا أنا، طارق
بكل جروحي وكسوري وأنا أحبكِ رغم ذلك كله’
دعيني أعترف ، أنا طارق ، وأنا موجود
متعب ، خائف ، نادم ، لكن موجود
وهذا الاعتراف وحده ، يكفيني لأتنفس خطوة أخرى
والآن ، دورك
دعيني أسمع اعترافك أنتِ
فالاعتراف لا يكتمل إلا حين يُسمع
(يصمت طويلاً . ثم يرفع رأسه
ينظر إلى الجمهور بعينين هادئتين ، كأنه يودعهم)
هذا كل شيء. فقط طارق ، الذي جلس هنا ليلة ، واعترف. (يبقى جالساً. الضوء يخفت ببطء شديد.
لا موسيقى. لا تصفيق. فقط صوت تنفسه الخفيف
ثم الصمت الكامل)
ستار
طارق غريب – مصر


