دين ومجتمع

أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

جاء في المصادر أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لصاحبه يكتب له، وكان السلف كثيرا ما يكتبون يوصون، ونحن اليوم أيضا نستطيع أن نتواصى بها في الحق والصبر، فقال له “أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين” وفعلا، إنها عاصم فى الفتنة، وحجاب عن المعصية، وستار بين العبد وبين الرذائل في الأقوال والأفعال، وما أكثرها في هذا الزمن، زمن القاذورات والفواحش، وهذه المواخير الفضائية المفتوحة على الناس بالشر ليل نهار، لقد غرق الناس بالعفن، لقد غرقوا بالملوثات، تلوث الجو، ولا نقصد تلوث البيئة ببقايا النفط وعوادم السيارات، فإن هذا تلوث هين بالنسبة للتلوث الآخر، لقد تلوث الجو بالموجات التي تنقل هذه القاذورات، شبُهات وشهوات وفتن ورزايا.

 

هذا ما يعم به الجو اليوم أدمغة المسلمين وعقولهم، إنه ينقل إليهم هذا السم الناقع المبثوث في الهواء، إنك لا تراه، لكن الأجهزة تلتقطه وتبثه إلى الأدمغة، كثيرون اليوم يقولون اشتبهت علينا أمور، وتشككنا في آيات، اضطربت عندنا أحاديث، لماذا؟ فقد أصبحنا نسمع الكثير والكثير فقالوا قد سمعنا قس في قناة فضائية يقول كذا، وسمعنا شخص في قناة فضائية يقول كذا، وما عدنا ندرى ما الحق، كيف نفهم هذا؟ ما هو التوفيق بين هذا وهذا؟ ما هو الحق فى هذه المسألة؟ اضطربنا، تزلزلنا، فإن تلويث الأدمغة، وتلويث العقول، وإفساد القلوب اليوم يحتاج إلى مغسلة، وشهر رمضان هو المغسلة لتك الذنوب، فاعلموا بأن شهر رمضان كان مغسلة لك ذلك، ألم تري أن النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قال في دعاء الجنازة “واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس”

 

فإن هناك دنس كثير اليوم، وهناك ذنوب وخطايا كثيرة، فنسأل الله أن يجعل شهر رمضان كفارة للسيئات، وزيادة في الحسنات، ورفعة في الدرجات، ومعنى مغسلة، إنه مغسلة تجلو القلب، تذهب الصدأ، تزيل القسوة، فليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، فيقول أبو الدرداء قالوا “مه ما هذا؟ قال “يخلو بمعاصي الله فيلقي الله له البغض فى قلوب المؤمنين” وقال سليمان التيمى”إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته، وإن العبد ليذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه” وربما يرى الصالحون فى وجوه بعض الناس ما لا يراه غيرهم، فراسة الإيمان، والسعيد من أصلح بينه وبين الله، السعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فكان حبيب أبو محمد تاجرا يؤجر النقود، ومعنى يؤجر النقود، أى يتعامل بالربا لأن النقود لا تؤجر، ومن أجر النقود مرابى، فمر ذات يوم بصبيان.

 

فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض جاء آكل الربا، جاء آكل الربا، فنكس رأسه، وقال “يا رب أفشيت سرى إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كله، فقال يا رب إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأعتقني” فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ فى العبادة، ثم مر مرة أخرى بالصبيان يوما وهم يلعبون، فلما رأوه قال بعضهم لبعض جاء حبيب العابد، جاء حبيب العابد، فبكى وقال يا رب أن تذم مرة، وتحمد أخرى، وكله من عندك” فالله يجرى على ألسنة بعض الناس الشهادة لبعض الأشخاص بأشياء لتكون موعظة، فمن الناس من تردهم مثل هذه الأشياء إلى صوابهم، ومنهم من يزداد عتوا ونفورا، ولا كأن أحدا تكلم بشيء، وهذا لا يؤثر فيه نصيحة ناصح، ولا تؤثر فيه موعظة واعظ لأن القلب قد تحجر، والنفس إذا تبلدت فمتى يكون التأثر؟ فإن الذى يريد أن يستفيد من رمضان لا بد أن يجلو قلبه، إذا أردت حسن الاستقبال والعمل.

 

فإنه كان أحسن تجهيز هو جهاز الاستقبال، فعند ذلك يكون البث نقيا، وإلا سيكون مشوشا، أو لا يستقبل، ولقد كان المسلمون يعدون العدة لرمضان، ومن إعداد العدة التوبة قبل رمضان، ويرون أن جلاء القلوب بالتوبة قبل رمضان لأن رمضان موسم إكتساب حسنات وطاعات وعبادات فلذلك لابد أنه كان من التجهز لإكتساب الحسنات وللعبادة قبل رمضان، ولو دخلنا رمضان بهذه الأحوال من التقصير، هل سنكون مستمتعين بصلاة التراويح؟ وهل سنكون أول يوم متلذذين بالصيام؟ ربما لا، ربما استثقلنا ذلك، لكن إذا دخلنا بجاهزية من أول الشهر بتوبة نصوح وإقبال على الله، فعند ذلك يكون كثير من التأثر، ألم تري أن الإنسان قبل أن يصلي له تجهيزات أذان وترديد مع الأذان ووضوء وأذكار الوضوء وتبكير للصلاة، وإقبال وأدعية للذهاب للمسجد، ودخول المسجد، والانتظار في المسجد حتى يصلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock