إنّ الحكومة الصهيونية، بإصدارها قرارا يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، تلفّ حبل المشنقة حول عنق شرعيتها السياسية والأخلاقية، وتزجّ بذاتها في صدام مباشر مع الضمير الإنساني العالمي.
فهذا القرار يؤسّس لاشتباك شامل بين سلطتها المتبنّية منطق الإبادة كأداة حكم، وعالم ما يزال يتشبّث بمفاهيم العدالة والكرامة الإنسانية كمعايير كونية.
بهذا السلوك، ينزلق الكيان الصهيو- إسرائيلي إلى هيئة سلطة عقابية مجرّدة، وتستدعي انفجارا وجدانيا واسعا لدى المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، لأنها تعدّ قضية وجود وحقّ وحياة.
فالأسرى، من المنظور الإنساني، يجسّدون معيارا أخلاقيا للأمم، ومعاملتهم تحدّد موقع السلطة بين الشرعية والجريمة.
المآل الطبيعي والمتوقع لهذا القرار يتمثّل في تآكل صورة “المدني البريء” داخل الإدراك العالمي، حين تمنح الدولة لنفسها حقّ قتل الأسرى خارج أي قاعدة مرجعية إنسانية ويصبح الانتماء السياسي عبئا أخلاقيا، وتبدأ عملية إسقاط جماعي لصورة الصهيوني على مستوى الحكومات وداخل وعي الشعوب.
في مثل هذه الحالة، يختلّ ميزان الإدراك العام، بين من هو الجاني ومن هو الضحية؟ ومن يتحمّل تبعات الدم؟ عندما تكرّس السلطة نفسها كفاعل للعنف المطلق، فإنها تنتج مناخا عالميا يرى فيها نموذجا للجريمة المؤسّسية، وتغذّي سردية شاملة ترى في ممارساتها تجاوزا للحرب نحو الإبادة.
إنّ قتل الأطفال، والشيوخ، والنساء، وملاحقة الأسرى كأهداف للإنهاء الجسدي، يحوّل هذا الكيان الصهيوني إلى “المجرم”، ويعدّ رمزا للعنف المتجذّر، لا يخضع لقواعد القانون أو الأخلاق.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، دعوة صريحة لانفجار دولي في الإدراك والموقف، تتحمّل إسرائيل وحدها مسؤوليته التاريخية والإنسانية.
إنّ إصدار قرار بإعدام الأسرى الفلسطينيين، يطلق سلسلة ارتدادات خطيرة تمسّ صورة الإسرائيلي، وبما أنها تمنح لنفسها حقّ إزهاق أرواح الأبرياء، يتولّد منظور دولي يسقط صفة البراءة عن كل ما يرتبط بالكيان الصهيوني. في هذا المناخ، يبدأ العالم في إعادة تصنيفه كـ “نموذج خطر”.
بهذا القرار، تعزّز قناعة تشكّلت منذ سنوات، أن ما يجري يتجاوز الحرب إلى الإبادة، ويتجاوز الأمن إلى التصفية العرقية. العالم الذي سمع هذا الوصف طويلا، وشهد إنكاره مرارا، سيقرأ قتل الأسرى على أنه البرهان الأخير الذي يحوّل الاتهام إلى حقيقة راسخة.
هنا تندلع أزمة الثقة الوجودية، ويغدو استهداف الإسرائيليين في كل مكان مسألة شرف. كل ما هو صهيوني، شخصا كان أو مؤسسة أو نشاطا اقتصاديا أو ثقافيا أو إعلاميا، يعاد تأويله داخل وعي الشعوب على أنه مجرم بالفطرة وحامل محتمل للعنف، ويغدو العنف الممنهج دليلا دامغا يعزّز القطيعة الأخلاقية بين هذا الكيان وبقية الشعوب وموقف شامل من الرفض والمواجهة الرمزية والاقتصادية والاجتماعية.
في مثل هذا السياق، ينظر إلى الصهيوني على أنه تهديد كامن وعنصر خطر، قد يهدد النزلاء في الفنادق بالقتل، أو يسمّم الناس إن تواجد في مطبخ أماكن العمل، أو يدمّر المؤسّسات التعليمية، أو القطاعات الصحية والمالية أو في المعسكرات فيخون فريقه.
يبني حوله جدارا من الشكّ وانعدام الثقة، نتيجة سلوكه السياسي الدموي المتواصل، لا يؤتمن له ووجب تجنبه في كل مكان.
أما على مستوى الشعوب الأعرابية، فإن هذا المسار يشحنهم بطاقة عدائية قابلة للانفجار إذا سمحت القدرة على التسلّح، واكتساب المال، يصبح الانتقام احتمالا تاريخيا.
بهذا المسار، تدخل الصهيونية في حرب طاحنة ضدّ ذاتها. فهي، عبر قراراتها، تصنع خصومات من العدم، وتوسّع دائرة العداء، وتزرع العزلة والكراهية العالمية، وتحوّل وجودها إلى إشكال أخلاقي كوني. وبهذا سنشهد عمليات قتل عشوائية للإسرائيليين في كل الدول.
حين تنتقل الصهيونية من ذروة الهيمنة إلى طور الوهن، يتكشّف أثر الدموية التي خلّفتها. في تلك اللحظة، تنبعث موجات انتقام قاسية في حالة اكتساب القوة من المجتمعات الأعرابية التي شهدت قتل الأبرياء الفلسطينيين.
التحليل يكشف مسلكا واضحا، السلطة الإسرائيلية تهدّد صورتها بقراراتها، وتصدّر إلى العالم نفسها على هيئة قاتل ممنهج لا يؤتمن جانبه وتنزع عنه المشروعية الأخلاقية.
في هذا الإطار، ينكمش شعب إسرائيل داخل قوقعة ذاتية، ويساء تأويل هذا الانكماش بوصفه قوة. غير أنّ في حقيقته هشاشة داخلية مغطّاة بقشرة صلابة. فالعزلة تضعف البنية، وتستنزف الجسد.
كان يفترض بهذا الكيان الصهيو-إسرائيلي إدارة علاقاته مع بقية الدول عبر الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد والمجتمع. غير أنّ النفور العالمي الحالي يعمّق النبذ، ويحوّل وجوده إلى حالة عزلة خانقة. والمنبوذ، في علم الاجتماع السياسي، يمرّ بمراحل اكتئاب حاد، تنتهي بانهيار ذاتي ثم انتحار.
وعليه حقا أقول لكم، إن إيقاف قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين فورا يمثّل ضرورة أخلاقية عاجلة، قبل أن يتحوّل هذا المسار إلى نقطة دمار اسرائيل بلا عودة.