مقالات وآراء

إبراهيم عليه السلام.. أول من حطّم فكرة الإله الموروث

إعداد: عماد نويجي

حين يُذكر اسم إبراهيم الخليل عليه السلام، تتجلّى صورة الإنسان الذي واجه العالم كله من أجل فكرة واحدة: أن يكون الإله واحدًا لا يُعبد سواه.

في زمنٍ كان فيه الملوك آلهة، والكواكب تُسجد لها الرقاب، والناس تعيش داخل جدرانٍ من الخرافات والموروثات، خرج إبراهيم من بين الركام ليعلن بصوت العقل واليقين:

«إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين» (الأنعام: 79).

مجتمعٌ يعبد المألوف

نشأ إبراهيم في أور الكلدانيين – جنوب العراق حاليًا – في مجتمعٍ متخمٍ بالآلهة والتماثيل.

كل بيتٍ فيه صنم، وكل عائلة لها معبودها الخاص، وكان أبوه (آزر) من صانعي الأصنام الذين يتكسبون من بيعها وعبادتها.

لكن إبراهيم لم يرضَ أن يعيش بعقلٍ مغلق على وراثة العادة، فسأل السؤال الذي يهدم كل بناءٍ باطل:

«أتتخذ أصنامًا آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلالٍ مبين» (الأنعام: 74).

سؤالٌ واحد جعل من الفتى الصغير أول ثائرٍ في التاريخ على الدين الموروث.

رحلة البحث عن الإله الحق

أراد إبراهيم أن يُعلّم قومه كيف يستخدمون عقولهم لا عيونهم، فخاطبهم بالمنطق حين نظر إلى الكوكب، فقال:

«هذا ربي»،

ثم لما أفل قال:

«لا أحب الآفلين».

فالكوكب يختفي، والشمس تغرب، والقمر يخسف،

أما الإله الحق فلا يغيب ولا يتبدّل،

وهكذا أسس إبراهيم منهج التفكير العقلي في الإيمان قبل أن يعرف العالم الفلسفة بقرون.

التحدي الكبير

وحين رأى قومه إصراره على التوحيد، أرادوا أن يطفئوا نوره بالنار، فقالوا:

«حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين» (الأنبياء: 68).

لكن النار لم تكن إلا امتحانًا للجسد، فكانت المعجزة التي خلدها الله بقوله:

«قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم» (الأنبياء: 69).

وهكذا غلبت حرارة الإيمان نار الكفر، وانتصر العقل على الخرافة.

تحطيم الأصنام.. إعلان ميلاد الحرية

في لحظةٍ فارقة، دخل إبراهيم المعبد، وحطم الأصنام جميعًا إلا كبيرهم، ثم قال لهم:

«بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون» (الأنبياء: 63).

لم يكن ذلك تمردًا على السلطة فحسب، بل كان ثورة فكرية ضد فكرة “الموروث الإلهي” التي تُلزم الإنسان بعبادة ما وجد عليه آباءه.

لقد أعاد إبراهيم تعريف الدين، فجعل الإيمان قناعةً عقلية لا عادةً وراثية، وجعل من حرية الفكر طريقًا إلى معرفة الخالق.

من العراق إلى مصر.. ومن مصر إلى مكة

رحلات إبراهيم ليست مجرد تنقل جغرافي، بل رحلة بناءٍ حضاري وعقائدي.

من أور إلى حران، إلى فلسطين، إلى مصر، ثم إلى مكة، حيث رفع القواعد من البيت الحرام مع ابنه إسماعيل.

وفي كل أرضٍ نزلها، ترك أثرًا من نور التوحيد، حتى صار يُلقب بـ:

«إمام الموحّدين».

إبراهيم.. الإنسان الذي انتصر بالعقل

القرآن الكريم لم يقدم إبراهيم كقديسٍ منعزل، بل كعقلٍ متفكرٍ باحثٍ عن الحقيقة، يجادل قومه، ويخاطب الملوك، ويدافع بالحجة والبرهان.

لقد كان أول من وضع قاعدة الإيمان على أساسٍ من الفكر لا الخرافة، والعقل لا التلقين.

فما أعظمه من مثالٍ لإنسانٍ عرف ربه بالعقل، وأيقن به بالقلب.

الخلاصة

إبراهيم عليه السلام لم يكن نبيًا فحسب، بل كان ثائرًا فكريًا غيّر مسار التاريخ الإنساني.

كسر قيد الوراثة، وحرّر العقل من عبودية الأصنام، وأعاد صياغة العلاقة بين الإنسان وربه على أساسٍ من التوحيد والحرية.

ومن يومه صار كل من يفكر بعقله ويؤمن بقلبه من أتباع ملته الحنيفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock