
شهد العالم خلال هذه الأيام واحدة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث،
في ظل الضربات المتوالية التي استهدفت عمقها العسكري والأمني،
وما تبع ذلك من ردود فعل متصاعدة تهدد بإشعال المنطقة بأكملها. ومن وجهة نظري فإن ما يحدث لم يعد مجرد صراع تقليدي بين أطراف متنازعة،
بل هو اختبار حقيقي لميزان القوة في الشرق الأوسط ولقدرة المجتمع الدولي على منع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة.
أنا أرى أن الضربات التي نُفذت داخل الأراضي الإيرانية تحمل رسائل سياسية تتجاوز بعدها العسكري. صحيح أن مبررات الأمن القومي تطرح بقوة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لكن في المقابل لا يمكن تجاهل أن أي استهداف مباشر لدولة بحجم إيران يفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة خاصة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة التوازنات.
التاريخ يعلمنا أن الشرارة الصغيرة في الشرق الأوسط قد تتحول سريعا إلى حريق واسع.
من وجهة نظري أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم الضربات، بل منطق التصعيد ذاته. حين تتحول الرسائل العسكرية إلى وسيلة ضغط أساسية تتراجع مساحة الدبلوماسية ويصبح من الصعب التراجع دون خسائر معنوية أو سياسية. وهنا يكمن القلق الحقيقي هل نحن أمام سياسة ردع متبادل أم أمام سباق نحو مواجهة أكبر؟
كما أعتقد أن الداخل الإيراني سيتعامل مع هذه التطورات باعتبارها مساسا مباشرًا بالسيادة الوطنية،
وهو ما يعزز خطاب الصمود والرد خاصة في ظل وجود قيادة سياسية ودينية ممثلة في علي خامنئي، التي لطالما أكدت أن أمن إيران خط أحمر وبالتالي فإن أي رد إيراني محتمل قد لا يكون محدودا أو رمزيا، بل قد يمتد إلى ساحات إقليمية متعددة وهو ما يضع دول المنطقة في دائرة التأثر المباشر.
في تقديري، المنطقة اليوم لا تحتمل حربا جديدة في ظل الأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية والتحديات الأمنية المتراكمة تجعل أي مواجهة واسعة عبئا يفوق قدرة الشعوب قبل الحكومات.
ولذلك أرى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق القوى الدوليةوعلى رأسها الأمم المتحدة للقيام بدور أكثر فاعلية في احتواء التصعيد وفرض مسار تفاوضي جاد.
وجهة نظري الواضحة أن منطق القوة وحده لا يصنع استقرارا دائما، وأن الردع العسكري مهما بلغ تأثيره يظل حلًا مؤقتا إذا لم يُدعَّم برؤية سياسية شاملة تعالج جذور الخلاف. فاستمرار الضربات المتبادلة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب،
وربما إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة بشكل أكثر حدة.
إن ما يحدث اليوم ليس شأنا إيرانيا فحسب بل قضية إقليمية ودولية تمس أمن الطاقة والتجارة والاستقرار العالمي. ومن هنا أرى أن الحكمة تقتضي تغليب صوت العقل قبل أن تتسع دائرة النار،
لأن أي خطأ في الحسابات قد يكلف المنطقة سنوات طويلة من عدم الاستقرار، وهو ثمن لا أعتقد أن أحدا قادر على تحمله.



