إننا بحاجة إلى أن نتفكر ونتدبر كم من الناس ركب سيارة فخمة فنسي أنه خلق من ماء مهين، وكم من الناس مدح بقصيدة فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس نسب إلى قبيلة وإلى شرف وحسب و نسب فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس علق من الرتب ومن النياشين فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس جمع من الأموال والأرصدة فنسي أنه من ماء مهين، فإن هناك حالة من إفتقار العبد إلى غنى ربه، فنعم أيها الإنسان ينبغي أن تعلم أنك في غاية الذلة والإفتقار والحاجة والإنكسار إلى الله وبين يدي الله عز وجل، وينبغي أن نتعود التضرع إلى الله، وأن نتعود الشكوى إلى الله، وأن نتعود اللجوء إلى الله، وأن نتلذذ بأن الواحد يرمي بنفسه من طول قيامه ليكون في حالة السجود، ويمرغ أشرف ما في جسمه وهي جبهته على التراب ذلة لله عز وجل، وأنت لا تقبل أن أحدا يضربك على ناصيتك وهامتك.
ولو بلمسة فيها أدنى ذلة، لكنك أنت تختار أن تذل وتنحط وتنكسر وتنحني من علو وقوفك إلى قمة ذلتك حال سجودك، لمن؟ فإنه لوجه الله عز وجل، ولا ترضى أن تركع لغيره، ولا ترضى أن تنحني لغيره، ولا ترضى أن تسجد لغيره، بل قد يوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تخصع لغير الله، ويوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تسجد لغير الله، ويوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تنحط خاضعا منكسرا ذليلا لغير الله عز وجل، هكذا الانكسار وهكذا الإنقياد، وهكذا المناجاة في حال السجود، أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الدنيا حُلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ” رواه الترمذي.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه ” اتقي المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب” رواه الترمذي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ” رواه البخاري ومسلم، وقال عليه الصلاة والسلام ” لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ” رواه مسلم.
وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ” الترمذي، وقيل أنه زارت امرأة زوجة الأوزاعي فدخلت إلى مصلاه في البيت فإذا هو مبلول فجاءت تقول لزوجته ثكلتك أمك غفلت عن الصبيان، فبالوا في مصلى الأوزاعي، فقالت زوجة الأوزاعي ويحك هذه دموع الأوزاعي في مصلاه، فما أغلى تلك الدموع، وما أغلى ثمنها، فإن القلوب لتحيى بسماع أخبار الصالحين وآثارهم، وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم، فيا عباد الله إياكم أن تقولوا أن للبكاء علاقة بضعف الشخصية، أو أن البكاء لا يليق بأهل الشجاعة والبأس، وهو نعم كذلك فإنه لا يليق البكاء عند الوقوف في وجه الأعداء، ولا يليق البكاء عند سماع صهيل الخيل ومقارعة السيوف وتطاير الأشلاء، فهذا فعل الجبناء، فالبكاء الذي نعنيه وما نحن بصدده، هو البكاء خشية ورهبة وخضوعا وذلا.
وعبودية لله رب العالمين، إنه بكاء الذل والمسكنة لذي الجلال والعزة والجبروت، إنه البكاء خوفا من الحي الذي لا يموت، فهذا هو الصحابي عبد الله بن الشخّير رضي الله عنه يقول عن سيد الخلق، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، ويبكي وهو سيد الشجعان وأشجع الفرسان، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمروا أبا بكر للصلاة في الناس في مرضه صلى الله عليه وسلم قالت السيدة عائشة رضي الله عنها “إن أبا بكر رجل أسيف، أي رقيق القلب، سريع البكاء إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة” وفي رواية إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، لكن انظر إلى حزمه وقوته وصلابته أيام الردة يوم أن تصدى للمرتدين، وما أكثرهم اليوم، فتصدى لهم الصديق رضي الله عنه ونصر الله به الدين رغم كثرة المخالفين.
أما الفاروق عمر فمعروف أنه شديد، القوة شديد البأس ومع هذا كان حاضر الدمعة رقيق القلب، فروى البخاري عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف وهو يقرأ ” إنما أشكوا بثي وحزني إلي الله”