تشهد المنطقة تحولات متسارعة تعكس فشل محاولات زعزعة استقرار السودان وتحويله إلى ساحة للفوضى والتقسيم فبينما تمضى الدولة السودانية فى مسار تطهير أراضيها وبسط سيادتها عبر قواتها المسلحة والقوات المساندة لها بدأت نيران الاضطراب التي سعى البعض إلى تصديرها للسودان ترتد بقوة إلى دول الجوار التى تورطت سياسيا أو لوجستيا فى دعم المليشيات المتمردة
السودان الذى يمتلك وزنا تاريخيا ودورا محوريا فى محيطه الإقليمي أثبت مجددا أنه رقم صعب فى معادلة المنطقة وأن محاولات كسره أو تجاوز مؤسساته الوطنية باءت بالفشل فالمخطط الذى استهدف تفكيك الدولة وإغراقها فى الفوضى بدأ ينقلب على أصحابه مع تصاعد الأزمات الأمنية والسياسية فى عدد من دول الجوار
فى إثيوبيا تتجه الأوضاع نحو منعطف بالغ الخطورة مع مؤشرات قوية على انهيار تفاهمات بريتوريا وعودة شبح الحرب إلى الواجهة حيث أكدت مصادر انسحاب وحدات من الجيش الفيدرالى الإثيوبى من مدينة الماطا جنوب إقليم تيغراى ودخول قوات دفاع تيغراي إليها فى تطور عسكرى يفتح الباب أمام تجدد المواجهات الواسعة
وشهدت منطقة صلمتى فى السادس والعشرين من يناير هجوما عنيفا لقوات تيغراى بعد عبور نهر تيكيزى فى محاولة للوصول إلى منطقة ولقاييت ذات الأهمية الاستراتيجية وسط اشتباكات عنيفة مع الجيش الفيدرالي المدعوم بمليشيات محلية فى مؤشر على تصعيد ميدانى ينذر بتداعيات خطيرة
وترافقت هذه التطورات مع شلل شبه كامل فى حركة الطيران إلى إقليم تيغراى بعد تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها لأسباب تشغيلية إلى جانب أزمة مالية خانقة تمثلت فى اندفاع المواطنين نحو البنوك فى مدينة ميكيلى وسط نقص حاد فى السيولة وغياب النقد
وفى تصريحات لافتة أعلن رئيس الإدارة المؤقتة فى تيغراى رفضه لنهج أديس أبابا في معالجة ملف النازحين بينما أكد المتحدث باسم قوات تيغراى جاهزيتهم لاستعادة ما وصفها بالأراضى بالقوة وهو ما يعكس حجم التوتر وخطورة المرحلة المقبلة
وفى تشاد بدأت تداعيات التورط في دعم المليشيات تظهر بوضوح بعد مقتل سبعة عسكريين تشاديين فى هجوم داخل الأراضى التشادية نفذته ذات المليشيات التى استخدمت سابقا الأراضى التشادية ممرا للسلاح ورغم محاولة التخفيف من وقع الحادث بوصفه غير مقصود إلا أن الحكومة التشادية باتت تحذر علنا من انتقال الصراع إلى داخل حدودها
أما في جنوب السودان فقد اندلعت اشتباكات دامية فى مدينة الناصر بين الجيش الشعبي وقوات النوير الأبيض فى مشهد يعكس هشاشة الوضع الأمنى واتساع دائرة الاضطراب فى الإقليم
وعلى الصعيد الدبلوماسي برز تحول لافت فى موقف منظمة الإيقاد التى وجدت نفسها مضطرة لإعادة تقييم مواقفها حيث أعلنت فى التاسع والعشرين من يناير ألفين وستة وعشرين إدانتها الصريحة لانتهاكات مليشيا الدعم السريع للمرة الأولى مؤكدة دعمها لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية القائمة فى اعتراف واضح بشرعية الدولة وسقوط السرديات التى روجت لفراغ السلطة أو الصراع الداخلي
كما دعت المنظمة السودان إلى العودة لممارسة دوره داخلها فى خطوة تعكس إدراكا متأخرا بأن الإيقاد دون السودان تفقد جوهرها وتأثيرها الإقليمي
وتؤكد مجمل هذه التطورات أن صمود الدولة السودانية وتمسك قواتها المسلحة بشرعية المؤسسات واستنادها إلى جبهة داخلية متماسكة كان العامل الحاسم فى إفشال مخططات التفكيك وأن محاولات شرعنة المليشيات أو فرض الوصاية الخارجية لم تصمد أمام الواقع
وبات واضحا أن من راهنوا على إضعاف السودان يواجهون اليوم ارتدادات سياساتهم داخل حدودهم وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها سقوط الرهانات الخاطئة وبقاء الدولة السودانية رقما ثابتا في معادلة الإقليم رغم كل التحديات