تتدفق البيانات عبر الحدود بسرعة الضوء، حاملة معها ليس فقط رسائل الحب والأعمال التجارية، بل أيضاً رموزاً خبيثة تهدف إلى تخريب أنظمة المستشفيات وتعطيل شبكات الكهرباء وسرقة الأسرار الوطنية وتشويش الانتخابات هذا هو عالم الحرب السيبرانية، حيث لا تحتاج القوة العظمى لإرسال حاملة طائرات أو فرقة مشاة لغزو جارتها، بل يكفي أن تجلس مجموعة من القراصنة الموهوبين في غرفة مظلمة في ضاحية منعزلة لتطلق هجوماً يهز دولة بأكملها لكن بينما تتحرك هذه الهجمات بلا عناء عبر الفضاء الإلكتروني العالمي، يقف النظام القانوني الدولي عاجزاً ومتخلفاً، محاصراَ بحدود السيادة الوطنية ومفاهيم تقليدية عفا عليها الزمن فالميثاق الأممي يمنع “استخدام القوة” و”التدخل في الشؤون الداخلية”، لكن كيف نفسر هذه المبادئ عندما تكون “القوة” عبارة عن سطر من الشيفرة البرمجية، و”التدخل” هو عملية قرصنة لسرقة مخططات عسكرية؟ هل اعتراض انتخابات بلد ما عبر اختراق أحزابها ونشر معلومات مضللة يعد شكلاً من أشكال الاعتداء الذي يبرر الرد الدفاعي؟ أين يقع الخط الفاصل بين نشاط تجسسي تقليدي (مقبول إلى حد ما في العلاقات الدولية) وبين هجوم سيبراني مدمر يرقى إلى مستوى “الهجوم المسلح” الذي يبيح الدفاع عن النفس بموجب المادة 51؟ هذه الأسئلة المحورية تترك الدول في حالة من عدم اليقين القانوني الخطير، مما يسمح للقوى الكبرى بفرض تفسيراتها الانتقائية وخلق واقع جديد بلا قواعد.
المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة “الانتساب” أو إثبات هوية المهاجم الحقيقي وراء الهجوم السيبراني. فبإمكان قراصنة تابعين لدولة ما أن يشنوا هجوماً من خوادم في عشر دول أخرى باستخدام أدوات تم تصميمها لتقليد أساليب جماعات أخرى هذه “القدرة على الإنكار المعقول” تمنح الدول غطاءً مثالياً للتصرف بجرأة دون تحمل العواقب القانونية أو السياسية المباشرة فروسيا يمكنها أن تنكر تورطها في هجمات على أوكرانيا، وكوريا الشمالية يمكنها أن تنكر سرقة البنوك السيبرانية، وإيران يمكنها أن تنكر تعطيل البنية التحتية الحيوية وفي غياب دليل قاطع ومقبول دولياً يربط الهجوم بالدولة، تصبح أي دعاوى للمساءلة الدولية مجرد اتهامات في مهب الريح ثم تأتي معضلة “التناسب في الرد” فإذا تعرضت دولة لهجوم سيبراني أعطب محطاتها الكهربائية، فهل يحق لها الرد بهجوم سيبراني مماثل؟ أم بهجوم عسكري تقليدي؟ من يحدد معايير التناسب في مجال غير ملموس العواقب، حيث قد تكون الخسائر الاقتصادية للهجوم السيبراني أكبر من قصف بالمدفعية، لكنها لا تخلف ضحايا بشرية مباشرة؟
محاولات وضع إطار قانوني دولي تواجه عقبات جبارة فمشروع “اتفاقية بودابست” لمكافحة الجريمة الإلكترونية، رغم أهميته، يقتصر على الجريمة المنظمة ولا يتناول حرب الدول ومبادرات الأمم المتحدة، مثل تقارير فريق الخبراء الحكوميين ، أنتجت بعض القواعد الطوعية المتفق عليها، مثل أن الدول يجب ألا تستهدف البنية التحتية المدنية الحيوية خلال السلم، وأن عليها التعاون في احتواء الحوادث لكن هذه القواعد غير ملزمة، والمفاوضات تعطلت بسبب خلافات جوهرية فالولايات المتحدة وحلفاؤها يصرون على أن القانون الإنساني الدولي القائم ينطبق على الفضاء السيبراني، مما يعني أن هجوماً سيبرانياً يمكن اعتباره “هجوماً مسلحاً” بينما تعارض روسيا والصين هذا الموقف، وتطالبان بمعاهدة جديدة تحظر صراحة استخدام الفضاء السيبراني لأغراض عدائية، وهو موقف يراه الغرب محاولة لتقييد حرية الإنترنت وإضفاء الشرعية على الرقابة الوطنية الصارمة.
في هذا الفراغ، تظهر الحاجة الملحة إلى إطار قانوني دولي جديد إطار لا يهدف بالضرورة إلى منع كل الهجمات وهو أمر غير واقعي بل إلى تحقيق أهداف عملية أولاً، وضع تعريفات واضحة ومقبولة عالمياً لمستويات مختلفة من النشاط السيبراني العدائي (من التخريب والتجسس إلى الهجمات المدمرة) ثانياً، إنشاء آلية دولية محايدة ومستقلة للتحقيق في الهجمات الكبرى وإصدار تقارير فنية عن انتسابها، لتحجيم ظاهرة “الإنكار المعقول” ثالثاً، تطوير بروتوكولات اتصال طارئة بين القوى الكبرى (خطوط حمراء سيبرانية) لمنع تصعيد غير مقصود، على غرار خطوط الهاتف الحمراء خلال الحرب الباردة رابعاً، الاتفاق على “مناطق محظورة” يحظر استهدافها بأي حال، كالمنشآت النووية وأنظمة التحكم بمحطات الطاقة والسدود والشبكات الطبية بدون مثل هذا الإطار، نعيش في عالم “غرب سيبراني متوحش”، حيث تختبر الدول باستمرار حدود قدرات بعضها البعض، وتنمو المخاطر بلا رادع الهجوم السيبراني الكبير القادم ليس مسألة “إذا” بل “متى”، وقد يكون النقطة التي تدفع العالم نحو صراع تقليدي لا يمكن السيطرة عليه الوقت ليس في صالحنا. تأسيس قواعد طريق للفضاء السيبراني لم يعد ترفاً قانونياً، بل أصبح شرطاً أساسياً للبقاء في القرن الحادي والعشرين.