تبدو التهديدات العسكرية المتكررة الصادرة عن واشنطن أقلّ تعبيرًا عن نية حقيقية للحرب، وأكثر انعكاسًا لحالة انسداد استراتيجي. فالولايات المتحدة تقف عند مفترق لا يسمح لها لا ببدء حرب شاملة ولا بالانسحاب العلني من المواجهة؛ وفي هذا الفراغ، تحوّل «استعراض القوة» إلى الأداة الأبرز في سياسة احتواء إيران.
للوهلة الأولى، قد توحي الزيادة الملحوظة في الخطاب العسكري الأمريكي بقرب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. غير أن قراءة أعمق لسلوك واشنطن تكشف أن هذه التهديدات ليست تمهيدًا للحرب بقدر ما هي نتاج عجزٍ أمريكي عن اختيار خيار فعّال في التعامل مع إيران.
خلال العقدين الماضيين، استخدمت الولايات المتحدة طيفًا واسعًا من الأدوات لمحاصرة طهران: من العقوبات الخانقة والضغط الدبلوماسي، إلى العمليات الاستخبارية، والاغتيالات، والحرب السيبرانية، ومحاولات زعزعة الداخل. لكن حصيلة هذه الاستراتيجية متعددة المستويات جاءت واضحة: إيران لم تُهزم، ولم تُقصَ من معادلات الإقليم. في هذا السياق، تحوّل التهديد العسكري إلى أداة «استعراضية» بالدرجة الأولى، ذات وظيفة نفسية وإعلامية أكثر منها عملية، وجزء أساسي من الحرب الإدراكية التي تخوضها واشنطن ضد إيران.
التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة—من إرسال حاملات الطائرات، إلى طلعات القاذفات، والمناورات المُعلنة—إلى جانب التهديدات اللفظية المتكررة الصادرة عن الرئيس الأمريكي، تحمل رسالة واحدة: الإيحاء بالجاهزية للحرب دون تحمّل كلفتها الحقيقية. تدرك واشنطن جيدًا أن أي حرب مع إيران لن تكون عملية محدودة، بل صراعًا متعدد المستويات، صعب الاحتواء، وقد يعرّض المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها للخطر من الخليج إلى شرق المتوسط.
وقد عزّزت التجارب الإقليمية الأخيرة هذا التقدير. فإسرائيل، بوصفها الحليف العسكري الأقرب لواشنطن في المنطقة، ورغم ما حظيت به من دعم استخباري وتسليحي واسع، عجزت عن تحقيق أهدافها المعلنة في مواجهة محدودة. هذه التجربة جعلت كلفة أي صدام مباشر مع إيران أكثر وضوحًا أمام صانع القرار الأمريكي.
من هذا المنظور، تؤدي القطع البحرية الأمريكية دور «رافعة ردع نفسي» أكثر من كونها أدوات لبدء الحرب. غير أن هذه الرافعة نفسها هشّة. فقسم كبير من القوة الأمريكية يقوم على صورة التفوق العسكري المطلق، وأي خدش—ولو رمزي—في هذه الصورة قد يخلّف آثارًا استراتيجية واسعة، وهو ما يفسّر حذر واشنطن الشديد في تحويل التهديد إلى فعل.
في مقابل هذه القيود، يجري التركيز بجدية أكبر على استراتيجية الاستنزاف النفسي عبر حرب إدراكية شاملة. الهدف ليس تغيير ميزان القوى في الميدان، بل التأثير في وعي المجتمع الإيراني: خلق شعور دائم بعدم الأمان، تعميق الإحساس بالانسداد الاقتصادي، وترسيخ فكرة أن المقاومة خيار مكلف. هذه الاستراتيجية أقل كلفة من الحرب، وأقل مخاطرة من المواجهة المباشرة، لكنها طويلة النفس ومستمرة.
ومع ذلك، فإن لهذا المشروع نقطة ضعف جوهرية. فالاستنزاف النفسي لا ينجح إلا إذا كانت الرواية السائدة هي رواية الطرف المقابل. إن إعادة قراءة الوقائع الميدانية بدقة—من إخفاقات الخصم العسكرية إلى القيود الحقيقية التي تمنع الولايات المتحدة من خوض حرب—قادرة على تحييد هذا المسار. وقد أثبتت التجربة أن المجتمع الإيراني، حين تُنقل إليه صورة الواقع بوضوح، يستطيع امتصاص الضغوط بل وقلب المعادلة لمصلحةٍ معاكسة.
ما يجري اليوم ليس «اقترابًا من الحرب»، بل مرحلة «تثبيت الردع». تهدّد واشنطن كي لا تحارب، وتستعرض قوتها كي لا تتراجع، وتسعى—إن أمكن—إلى إنجاز مشروع الإخضاع بأقل كلفة ممكنة. في مثل هذا السياق، تصبح إدارة الرأي العام ومعركة السرديات عنصرًا من عناصر الأمن القومي، لا يقل أهمية عن القوة العسكرية نفسها.