
لا يكتشف الإنسان نفسه وحده. حتى أكثر لحظات العزلة امتلاء هي ، في عمقها ، حوار مؤجل مع وجه غائب. نحن نعرف من نكون لأن هناك من ينظر إلينا ، يسمعنا ، يرد علينا ، أو يخذلنا. الآخر ليس إضافة جانبية إلى حياتنا ، بل شرط من شروط تكونها. بدون الآخر نصبح فكرة غامضة عن أنفسنا ، لا تجربة حية لها ملامح.
في وجه الآخر نرى أكثر مما نحب أن نرى. نرى صورتنا كما لا نملك السيطرة عليها ، نرى نقاط ضعفنا حين تنعكس في ردود أفعاله ، نرى قوتنا حين نجدها مؤثرة فيه. الآخر مرآة ، لكنه ليس مرآة مطيعة. إنه يعكسنا بطريقة قد لا نختارها ، وقد لا نرتاح لها. لهذا السبب بالذات نحتاجه ، ولهذا السبب نفسه نخافه.
العلاقة بالآخر ليست فقط بحثاً عن قرب ، بل مواجهة دائمة مع الاختلاف. الآخر ليس نسخة أخرى منا ، بل عالم كامل له تاريخه ، جراحه ، مخاوفه ، وطريقته الخاصة في رؤية الأشياء. حين نلتقي ، لا يلتقي شخصان فقط ، بل تلتقي سرديتان عن الحياة ، وقد تتصادمان قبل أن تتعلما كيف تتجاوران.
من هنا يولد التوتر: نريد الآخر لأنه يمنحنا اعترافاً بوجودنا ، لكننا نخافه لأنه يهدد صورتنا المستقرة عن أنفسنا. في حضوره نشعر أننا مرئيون ، وهذا جميل ومخيف في الوقت نفسه. جميل لأنه يخرجنا من العزلة ، ومخيف لأنه يضعنا تحت ضوء لا نتحكم في شدته ولا في زاويته.
الحب ، في أحد وجوهه ، هو محاولة لبناء جسر فوق هذه الهوة بين ذاتين. لكنه ليس جسراً مضمون الثبات. هو دائماً ، مهدد بسوء الفهم ، بالخيبة ، بالخوف من الفقد ، وبالرغبة في الامتلاك التي قد تتخفى في صورة قرب. نريد أن يكون الآخر معنا ، لكننا نخشى أن يكون مختلفاً أكثر مما نحتمل ، ونخشى في الوقت نفسه أن يذوب فينا فنفقد دهشته.
والصراع ، في وجه آخر ، ليس دائماً علامة كراهية. أحياناً هو علامة أهمية. نحن لا نتألم من آراء الغرباء بقدر ما نتألم من كلمات من نعتبرهم قريبين. لأن القرب يفتح مناطق حساسة، ولأن الآخر القريب لا يمر بحياتنا مروراً عابراً ، بل يترك فيها أثراً عميقاً ، سواء كان هذا الأثر جرحاً أو شفاء مؤقتاً.
الآخر يعلمنا حدودنا. يذكرنا بأننا لسنا مركز العالم، وبأن رؤيتنا ليست الرؤية الوحيدة الممكنة. هذا التذكير قد يكون مزعجاً لكنه ضروري. بدونه نتحول إلى كائنات مغلقة على أنفسها، تفسر كل شيء من داخل دائرة ضيقة ، وتختنق بها دون أن تدري.
و لا يعني الاعتراف بالآخر أن نذوب فيه. هناك فرق دقيق بين المشاركة وفقدان الذات. أن تحترم اختلاف الآخر لا يعني أن تتخلى عن صوتك ، كما أن الدفاع عن نفسك لا يعني أن تلغي وجوده.
العلاقة الإنسانية الحقيقية هي محاولة دائمة للحفاظ على هذا التوازن الهش : أن نكون معاً دون أن نفقد أنفسنا ، وأن نكون أنفسنا دون أن نغلق الباب في وجه غيرنا.
الوحدة ، في هذا السياق ، ليست مجرد غياب الناس ، بل غياب الاعتراف. يمكن أن تكون محاطاً بالكثيرين وتشعر بوحدة عميقة ، ويمكن أن تكون وحيداً جسدياً وتشعر بحضور إنساني قوي لأن هناك من يفهمك أو يتذكرك أو ينتظرك. الآخر لا يُقاس بالعدد ، بل بنوع الحضور الذي يتركه في حياتك.
أحياناً يكون الآخر مصدر ألم لا يمكن تجاوزه بسهولة. الخيانة، الفقد ، الخذلان ، كلها جروح لا تأتي من فراغ ، بل من علاقة كانت يوماً ما مكان أمان. ومع ذلك ، لا نستطيع أن نقرر الانسحاب النهائي من العلاقات دون أن ندفع ثمناً أكبر : ثمن الانغلاق على ذات تذبل ببطء لأنها لم تعد ترى نفسها في أي عين أخرى.
الآخر ليس فقط من نحبهم أو نختلف معهم ، بل أيضاً من نعبر بجانبهم دون أن نعرف أسماءهم. وجودهم الصامت يذكرنا بأن العالم أوسع من قصتنا الشخصية ، وأن حياتنا ، مهما بدت مركزية لنا ، ليست سوى خيط في نسيج أكبر. هذا الإدراك قد يخفف من ثقل الذات ، وقد يزيد شعورها بالهشاشة ، لكنه في كل الأحوال يحررنا قليلاً من وهم الاكتمال الفردي.
ربما يمكن القول إن الإنسان لا يعيش فقط في ذاته ، بل في المسافة بينها وبين الآخرين. هذه المسافة ليست فراغاً ، بل مجالاً للحب، وللصراع ، وللفهم ، ولسوء الفهم ، ولكل ما يجعل الحياة أكثر تعقيداً وأكثر ثراء في الوقت نفسه.
فالآخر هو المرآة التي لا يمكننا كسرها دون أن نكسر جزءاً من قدرتنا على أن نكون بشراً ، وهو الهاوية التي نخاف السقوط فيها لأننا نعرف أنها قد تغيرنا إلى الأبد. و إن كان لا طريق لنا إلا أن نقترب ، بحذر وشجاعة معاً ، لأن العيش بدون الآخر ليس سلاماً ، بل شكل آخر من أشكال الغياب.
طارق غريب – مصر



