مقالات وآراء

الأردنُّ نسيجُ الأصالةِ وأرضُ النَّشامى

بقلم كامل جميل مراد

يقفُ الأردنُّ شامخًا في قلبِ الشّرقِ الأوسط، كمنارةِ أمنٍ واستقرار، وكحارسٍ أمينٍ لتراثٍ ضاربٍ في أعماق التاريخ.
هنا تمتزجُ عراقةُ الماضي بإشراقة الحاضر، وتتشابكُ خيوطُ الهوية الوطنية في نسيجٍ متينٍ من القيم والتقاليد التي تعكس أسمى معاني الكرم والشهامة والتلاحم الاجتماعي.
لقد تشكّلت الشخصيَّة الأردنيَّة من مزيجٍ فريدٍ يجمع بين الروح الإسلاميَّة الأصيلة، والجذور البدوية العريقة، والامتداد العربي العميق؛ فانبثقت ثقافةٌ تتسم بالدفء الإنساني، والضيافة الصادقة، والوفاء للمبادئ.
هذا التمازج الخلّاق صنع هويةً متماسكة جعلت من الأردن نموذجًا راقيًا للتّعايش والانسجام بين مكونات المجتمع كافة.
ومن بين أبهى صور هذا الإرث العريق يبرز، كرم الضيافة، الذي لا يُعدّ في الأردن مجرّد عادة اجتماعيَّة، بل هو قيمةٌ راسخة وواجبٌ مقدّس يتوارثه الأبناء عن الآباء.
ينشأ الطفل الأردني وهو يرى والده يفتح بابه وقلبه للضيف، فيتعلم منذ نعومة أظفاره أن إكرام الضيف شرفٌ لا يُقاس بالماديات. فالكرم في هذا البلد الطيب ليس مرتبطًا بوفرة المال، بل بوفرة القلب؛ ولذلك ترى الأردني يقدّم ما لديه، مهما كان بسيطًا، بكل اعتزاز ومحبة، لأنّ كرامة الضيف فوق كل اعتبار.
وتبدأ مظاهر هذا الكرم منذ اللحظة الأولى لوصول الزائر إلى أرض الأردن؛ حيث يستقبله النشامى بابتسامةٍ صادقة وترحابٍ صافي النية، من موظفي المطار إلى سائق سيارة الأجرة، ومن المارّة في الطرقات إلى أصحاب المتاجر، الجميع يتسابقون إلى تقديم العون والإرشاد، فيشعر الزائر بأنه بين أهله لا في بلدٍ غريب.
وكثيرًا ما يمتنع سائق الأجرة عن أخذ الأجرة من زائرٍ يطأ أرض الأردن للمرة الأولى، معتبرًا استضافته شرفًا لا يُقابَل بثمن.
وليس غريبًا على الأردنّ أن يحتضن الملايين في أوقات الشدّة والأزمات، فقد فتح أبوابه وقاسَم ضيوفه خبزه ومائه وأمانه، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن الإنسان هو القيمة العليا، فكم من أخٍ وصديقٍ من مختلف الجنسيات وجد في الأردن وطنًا ثانيًا، لا يميّزه عن أبنائه سوى اختلاف اللهجة.
أما فنجان القهوة الأردنيّة، فليس مجرّد شرابٍ يُقدَّم، بل هو لغةٌ اجتماعيّة عميقة الدلالة، إنه رسالةُ سلامٍ وميثاقُ صفاء؛ فعلى فنجان قهوةٍ في ديوان العشيرة قد تُطوى صفحات الخلاف، وتُفتح أبواب الصلح، في مشهدٍ يجسد حكمة العادات الأردنيّة التي تقدّم التّسامح على الخصومة، والوئام على النزاع.
إن العادات والتقاليد الأردنيّة ليست طقوسًا جامدة تُمارَس بدافع التكرار، بل هي روحٌ حيّة تسري في المجتمع، فتُجسّد معاني الشجاعة والكرم والانتماء، من طقوس القهوة العامرة، إلى الولائم التي تجمع القلوب قبل الأجساد، ومن أفراحٍ تصل الماضي بالحاضر، إلى تطريزٍ يزيّن الأثواب التراثية ويحكي قصص الأمهات والجدات، يبقى الأردن وفيًّا لتاريخه، منفتحًا على مستقبله، ثابتًا على قيمه.
ولهذا، فالأردن ليس مجرد محطةٍ سياحية يقصدها الزوار لمشاهدة آثاره الخالدة، بل هو وطنٌ يُقصَد ليُعاش ويُحسّ، من زاره مرةً، عاد إليه مرارًا، وبقي قلبه معلّقًا بأرضه وأهله ودفء إنسانيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock