
عندما كنت طفلة تستيقظني أمي أحيانا وأنا في غفوة لأغادر نحو المدرسة، وإن لم تكن أمي فمُدرِّستي تنبّـهني إلى مجريات الدّرس، عندما نكون بصدد شعر او قصة يوقظني صوتها: “ليلى كفّي عن الحلم…” بينما أشاهد العصافير من خلال شباك يفتح لي مشهدا من طاولتي نحو السماء…
حالمة أنا منذ صغري… مخيلتي تستبدل شخوص الألم والبؤس التي في حيّنا برسوم وردية وبإيقاعات من تغاريد العصافير.
لم اشكّ ولو لحظة بأن أحلامي الوردية ستبددها وحشية واقع لم أعرفه من قبل…
بداية القصة حلم… حلم ان أكون كأخبار تلفاز الرجل الأبيض، أن أكون حرّة في بيتنا، في مدينتي، أن أنتزع من قلبي شعور الخوف والرهبة من السلطان وبطانته.
عن ذلك الحلم، وُلِدَ الكابوس، وعن ذلكم الكابوس ولدت رواية… هي مرويّة امرأة تجرأَت على الحلم، كسرت جدار المناعة والصدّ الذي تتخفى وراءه سلطة عنجهية لا يربك طقوسها الا مخبول ناسيه بطشها وما خلفته من جرائم أقلها شنيع شنيعة الموت…
“هكذا قادكِ حلمكِ يا ليلى… الى ايقاظ الشيطان من سباته”… هكذا تجرأتِِ على طلب الحرية تجرأتِ على أن تكوني حرة… وكانت سنة الظلمة والسرداب، سنة الرحلة في غايهب الظلمة التي قادتكِ الى السرداب…
فظيع أن تكون فريسة،،، فظيع أن تكون هدفا لبنادق الصيّادين،،، هل تتذكرون تلك الصور التي أنشرها وأنا في الغاب،،، لم تكن “عبطا” ولا “شقاوة” ولا حتى استفزازا… كانت حقيقة، حقيقتي…
عندما تكون فريسة كلهم يصبحون صيّادين… الكل يعربد، والكل يَلعن، والكل يضرب، والكل يلاحق… حلمهم جميعا أن تكون فريستهم، حلمهم سحلك في الشوارع، أمنيتهم أن تُصلب في الساحة العامة.
فظيع ان تلتفت الى يمينك ويسارك لتستكشف وجوه من جاملك البارحة، ومن دعم حضورك ومجّد وجودك وثمّن مساهماتك وأثنى على نجاحاتك وانبهر باقتدارك وتجاربك، أن تراهم وهم يهمون برجمك فجرا، هكذا ميمونٌ رجم الفجر بعد الصلاة، فأنت أصبحت فجأة خطيئة البارحة التي يتطهرون منها اليوم…
يلاحقونني فأنسحب من العالم الى داخلي، أتنكر في شخص امرأة الغابة في خيالي، وفي مرارة واقعي… تُكرهني ظلمة القبو على أن اقبع داخل نفسي، لأفتش من فرط قلقي، عن شضايا ذكريات متروكة في كهف نسياني منذ الطفولة… عن عنف استبعدته، عن فرحة لم تُكتَمَل، عن مشهد خيانة وراء ستار تقوى واجلال، عن رغبة دفنتها في نفسي خوفا ونفاقا، ولغياب ما يسمح بولادتها… أحيانا…
تتدافع افكاري ومشاعري في لحظة اعتزالي الدنيا، خوفا وفزعا من قمع يلاحقني ومن بطش يتوعدني، أنا لم أُذنب وإنما صدّقت ما تعلمته في المدرسة، صدّقت أنني مواطنة كما تعلمنا في درس التربية المدنية في معهد نهج الباشا مع سي الغربي ومدام بن زينة أستاذة اللغة العربية…، ولأنني كذلك فانا حرة… صدّقت أساتذتي، صدّقت أنه في إمكاني أن أحلم، وأنني سيدة في بلدي… فنجحت داخلها بنتائج مبهرة ونجحت خارجها بمراتب ممتازة في جامعات ذات سمعة عالمية، ودرّست هناك العلوم التي تدعم ما تعلمته، أننا يجب أن نقبل الاخر ونكون أحرارا… حلمت… حتى عدت لينهار حلمي، فأتيقّن ان حلمي جرمٌ وأنهم قرروا قمعي وصلبي، لأكون عبرة لمن يعتقد أنه مواطن وأنه جزء من تلك السيادة التي قالوا أنها سيادة الشعب.
لم أتخيل يوما انني سأشعر بالراحة والهدوء والاستكانة والسكينة يوم تمتد اليّ يد جلادي لتلقي بي في غياهب سجونه… عجز خيالي عن رسم صورتي وأنا مستسلمة لقدري بعد أن قيدوا حركتي ومنعوني من حرية النظر والشم واللمس والتذوق… كأن جسمي فقد وانتفى وغاب ولفه النسيان فحجبه عن ذاكرتي… برد حتى الخدر!!!
قمه مأساتي أنني لم اعانق حالة الانتشاء هذه إلا باستسلامي لقدري وتسليمي بانني في تلك اللحظة انتهيت وانتهى كل شيء انتهى التفتيش عني، وتوقفت مطاردتي ولم يعد في وسع أحد البحث عن اصطيادي لاقتيادي…
غريب ان ينحط طموحي وان تنحدر رغبتي من طلب الحرية الى الاحتفاء بنهاية وضعي كفريسة ملاحَقة مطارَدة من الجميع في كل مكان…
اخيرا ينتابني النوم،،، نوم عميق مطمئن…أخيرا تهدأ نفسي، أستكين لخاتمتي، أقبل بقدر لا أذكر أنني اخترته، لكنه اختارني… لا سلطان لي عليه، لكنني أقبله فلعله يصالحني، فيكفّ عن تعذيبي…
لم تكن مروية عزلتي وغيابي حالة خاصة او استثناء في وطني، فكلنا منفيون ولو في أوطاننا…
عاشت العصافير



