كنا نعيش جميعًا في شارع واحد، وأحيانًا في بيت واحد، تجمعنا روابط الأخوّة والمودة.
أولاد العم، الجد والجدة، والأسرة الممتدة التي قد يصل عدد أفرادها إلى خمسة عشر شخصًا أو أكثر، دون أن تعصف بنا خلافات تُذكر.
وإن حدثت مشكلة، كانت تُحل قبل غروب الشمس، في ظل احترام متبادل للعادات والتقاليد، والأصول، والحدود التي تحفظ للجميع كرامتهم.
لم نكن نُفرّق بين أخ وابن عم، أو بين قريب وآخر، فالمحبة كانت المعيار الوحيد، والنقاء كان السمة الغالبة على العلاقات.
أما اليوم، فنقف أمام مشهد مختلف تمامًا، بل ومقلق، حيث باتت الخلافات تنشأ من أقرب الناس، وتحولت صلة الرحم في بعض الأحيان إلى ساحة صراع وعداء.
– يطرح هذا التحول الجذري عدة تساؤلات مشروعة:
– ما سبب هذا التغير العميق في العلاقات الأسرية؟
– وما الدافع وراء هذا السلوك الغريب الذي تسلل إلى بيوتنا؟
– هل نحن منحدرون أخلاقيًا، أم أن ما نعيشه اليوم لم يكن سوى حقيقة كامنة ظهرت إلى السطح مؤخرًا؟
– وما سر هذا الكم من الكراهية والعدوانية المنتشرة في هذه الفترة؟
نلاحظ في كثير من الحالات أن بعض الأقارب باتوا يتمنون الأذى لبعضهم البعض، بل وقد يشعرون بالشماتة عند وقوع مكروه للآخر، في سلوك يبتعد كل البعد عن قيم الرحمة وصلة الرحم التي نشأنا عليها.
وغالبًا ما نُلقي باللوم على الزمن والدنيا، متناسين أننا نحن صُنّاع هذا الواقع، وأصحاب الزمان والمكان. فكما قال الشاعر:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا
وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
إن إعادة إحياء القيم الإنسانية، وترميم العلاقات الأسرية، تبدأ من الاعتراف بالخطأ، والعودة إلى الجذور التي جعلت من العائلة يومًا ما مصدر أمان، لا ساحة خصام.