مقالات وآراء

الإخوان والديمقراطية المغشوشة

بقلم د-ليلى الهمامي

من عجائب الساحة العربية قصة الإخوان؛ الإخوان الذين قال عنهم حسن البنّا إنهم ليسو إخوانا وليسو مسلمين.
قصة الإخوان تؤكد أن لدينا أَشكالًا سياسيّةً، ليس فقط منحرفة، بل تمثل تشوّها جينيّا من حيث أنها خليط ومزيج بين عمل مخابراتي، وبين عمل دَعَوي عَقَدي، وبين تنظيم موازي. وفي كل الحالات هذا التنظيم الخطير في تشكله، وفي تطوره، يحتكر تقريبا مرجعية الشرعية في المعارضات العربية: ليس هنالك معارضة، على الأقل في أشكالها السائدة والمهيمنة، لا تلتئم على الاخوان؛ تتحالف مع الاخوان، تنازع الاخوان بعض المحاور، لكن تعترف لهم بشرعية الوجود….
الإخوان على فكرة، هم أكثر التنظيمات براڨماتية من حيث التحالف مع الأنظمة. الإخوان تحالفوا مع النظام في مصر، تحالفوا مع النظام في تونس، كما نجدهم في المغرب مع العدالة والتنمية… الإخوان كانوا في الحكم في إطار الحلف بين الترابي والنميري في السودان. وليس لدى الإخوان اي إشكال في أن يكونوا في الحكم، وأن يتحالفوا مع الأنظمة التي يقولون في أوضاع أخرى وسياقات أخرى، أنها أنظمة رجعية، وأنها أنظمة فاشية، وأنها لا ديمقراطية… ليس هذا الموضوع الاخوان؛ حقيقة الأمر أن يكون الإخوان في الحكم،،، وأن يكون الإخوان في الحكم، مهما كانت التكاليف! مقابل ماذا؟ مقابل تنازلات من شأنها ان تمكّنهم من إختراق المجتمعات… منظومات تعليمية موازية وتجارة موازية وتهريب،،، التأسيس للمجتمع المسلم داخل المجتمع الذي يعتبرون أنه على جهالة أو كافر، أو مجتمع زاغ عن سواء الطريق…
الإخوان، بهذا الشكل، ووفق هذا التشكل، يمثلون ظاهرة بالفعل غريبة، من حيث أنها لا يمكن أن تُفهَم بالمنطق السياسي المعزول عن المنطق المخابراتي، المعزول عن المنطق البراڨماتي، المعزول عن العنف…
سرديّة الإخوان هي سرديّة التجارة الموازية، هي سردية البناء الموازي لمجتمع موازي ولدولة موازية.
الإخوان هم ايضا سرديّة عنف من أجل غاية أساسية ومركزية، ألا وهي إقامة الدولة الاسلامية !!! هذه هي غايتهم، وهذا هو غرضهم، وهذا هو هدفهم… قد يرحّلونه، قد يؤجّلونه لتبني الشعار الديمقراطي، وللتموقع مع باقي مكونات المعارضات، الساذج منها خاصة، أو الذي يَدين لهم بالولاء ولو سرّاً: أتحدث عن تشكيلات اليسار، الذين فقدوا كل أمل في الحكم والوصول الى السلطة، وتحولوا الى أدوات توظفها أنظمة الحكم -ولو جزئيا-، وإن لم توظفها أنظمة الحكم، فالاخوان يوظفونهم من أجل أن يستمروا في الوجود.
الإخوان تنظيم أقل ما يقال فيه أنه في منتهى الخبث؛ يعاودون التموقع في سياق “الربيع” العربي، وأغلب الظن أنه خريف، ووفق كل التقارير والتقييمات هو كارثة، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأمني: الإخوان يعيدون التموقع لقيادة الحركة الديمقراطية، بل انهم يتلوّنون ويعيدون التشكل داخل هذه الأسر السياسية الديمقراطية الساذجة أو المتواطئة للمطالبة بالديمقراطية مرة أخرى،،، والحال أنهم أبعد ما يكون عن المطلب الديمقراطي، أنهم أبعد ما يكون عن السلمية، أنهم أبعد ما يكون عن الوطنية -وهذا أمر مثبَتٌ، وفق الوقائع والأحداث.
من يدين بالولاء لأردوغان، لقطر، من ينتمي الى شبكة عنكبوتية، تمتد تمويلاتها من بعض بلدان الخليج، الى تركيا، الى امريكا اللاتينية، لا يمكن أن يكون نصير الدولة الوطنية، لا يمكن أن يكون حريصا على الأمن القومي العربي: مشروع الامة الاسلامية يتجاوز العودة الى الخلافة.
هذه أجزاء من البرنامج الحقيقي للإخوان، البرنامج الذي لن يتنازلوا عنه، ولن يُسقطوه، حتى وإن مارسوا التقية على الطريقة الشيعية، حتى وإن أجّلوا هذه الأهداف الإستراتيجية… فهم إخوان لا محالة.
الإشكال أن الجبهة الديمقراطية الوطنية في الوطن العربي أو في المنطقة العربية، تؤجّل الحَسم، ترحّل الحسم، وكأن الذاكرةَ السياسية العربية، مثقوبةٌ.
نحن هنا، لنذكّـر بهذا…، من أجل أن تكون الأوراق مكشوفة، وأن لا تكون الأيادي تحت الطاولة؛ من أجل أن يتحمّل الجميع المسؤولية التاريخية كـــــاملة، لأن من حق الأجيال القادمة أن تكون في بيئة سياسية نظيفة، في بيئة سياسية ديمقراطية، بعيدا عن الحفل التنكري الذي تتخفّـى فيه الوجوه الفاشيّة وراء أقنعة جميلة؛ أقنعة الديمقراطية وحقوق الانسان.
د. ليلى الهمامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock