
يُعرَّف البُعد غالبًا على أنه المسافة الفاصلة بين شخصين، كما يُقال، غير أن الواقع قد يكون أعمق من ذلك بكثير. فمن وجهة نظري، قد يجتمع الأشخاص في مكانٍ واحد، تحت سقفٍ واحد، لكن قلوبهم تظل متباعدة، كأن بينهما عوالم لا تُرى.
فالبُعد الحقيقي لا يكمن في المسافة، ولا يُقاس بالسنتيمترات أو الأميال، بل هو مسافة القلوب.
مسافة صامتة لا تُدركها العيون، لكنها تُشعر بها الأرواح.
هناك أشخاص لم نرَهم إلا في الصور، تفصلنا عنهم بحارٌ وأميال، ومع ذلك هم محفورون في أعماق قلوبنا، ولا يوجد أقرب منهم إلينا. وعلى النقيض، هناك من يحيطون بنا في كل مكان، نراهم يوميًا، لكن بيننا وبينهم مسافات لا تُحصى، وبُعد يفوق كل تصور.
وفي بعض الأحيان، يكون البُعد راحة. يمنحنا فرصة للتأمل، ويقرّبنا من ذواتنا أكثر.
فحين نبتعد، نبدأ في رؤية الأشخاص من زوايا مختلفة، وربما أوضح، نراهم بعين العقل والمنطق، لا بعاطفة اللحظة.
أحيانًا نحتاج إلى البُعد، لا هروبًا، بل لإعادة ترتيب الأشخاص داخل قلوبنا، وإعادة تقييم أماكنهم في حياتنا. فليس كل ابتعاد خسارة، وليس كل قرب مكسبًا.
فالبُعد، رغم قسوته أحيانًا، قد يكون الطريق الوحيد للفهم… والصفاء.



