مقالات وآراء

التراث بين النقد والنقض

بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

العامُ والخاص
​(هندسةُ الشمولِ وأنوارُ التخصيصِ في ميزانِ البيانِ القُرآني)

​تمهيد: في رحاب الإحكام والبيان
​حين نُبحر في ملكوت القرآن الكريم، تطالعنا آياتٌ تضعُ قانوناً شاملاً يغمرُ بظلاله الجميع، ثم لا نلبث أن نجد آياتٍ أخرى تضيءُ زاويةً بعينها أو ترسمُ حكماً لحالةٍ بذاتها. هذا التباين الظاهري ليس تضارباً في المنهج، بل هو “نورُ البيان” الذي يجمع بين سعةِ القاعدة ودقةِ التطبيق. إنها هندسةٌ إلهية توازن بين كليات الشريعة وجزئيات الواقع، فيما يُعرف بـ: “حمل العام على الخاص”.
​أولاً: فلسفة الشمول ودقة الاستثناء
​العام: هو الخطاب الذي يستغرقُ كل أفراد جنسه، فيأتي كالسقف الذي يستظلُّ به الجميع، وكالبساط الذي يمتدُّ ليشمل كلَّ الصور والأحوال.
​الخاص: هو “نورُ التفصيل” الذي يأتي ليُخرج بعضَ الحالات من ذاك الشمول العام؛ لا لينقضه، بل ليضعَ كلَّ حالةٍ في ميزانها الصحيح، رعايةً لضرورةٍ أو تبياناً لسرٍّ تشريعيٍّ خفي.

​ثانياً: شواهد تطبيقية (حين تبتسمُ النصوصُ بالوضوح)

​1. ميزان النجاة والخسران: (قاربُ النجاة وسط المحيط)
​في سورة العصر، يطالعنا الحقُّ سبحانه بقانونٍ كليٍّ يزلزلُ النفوس: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؛ وهو عمومٌ يطبقُ على الجنس البشري كافّة بمقتضى الغفلة. ولكي لا يغرق المؤمن في لُجّة اليأس، انبثقَ “نورُ التخصيص” فوراً: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
​هنا نجد “العموم التحذيري” يستنهض الهمم، بينما “الخصوص التبشيري” يرسمُ قاربَ النجاة. لقد جمعت هذه السورة بين هيبة التحذير العام ورقة البشارة الخاصة، لتكون دستوراً كاملاً للناجين.

​2. المحرّمات الغذائية: (من حصر الرّد إلى سعة التفصيل)
​العموم: في سورة الأنعام، نجد حصراً للمحرمات في أربعة أصناف: ﴿قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا… إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.
​الخصوص: ثم تأتي سورة المائدة لتفصل المحرمات بدقة مذهلة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ… وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ…﴾.
​هذا التدرج البياني يوضح أن آية الأنعام جاءت رداً مجملاً لإبطال أوهام الجاهلية، بينما جاءت آية المائدة لتضع “بيان التخصيص”؛ فالخاص هنا لم يلغِ العام، بل فصّل أنواعه وأزال عنه غطاء الإجمال، ليكون المسلم على بينةٍ تامة من طهارة مطعمه.

​3. أحكام العِدّة: (رعايةُ الأمومة وتقديرُ الأحوال)
​القاعدة العامة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ حكمٌ عام الغرض منه صيانة الأنساب واستبراء الأرحام.
​التخصيص للحامل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
​التخصيص لليائسة: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ… فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
​هنا تنحني القاعدة العامة أمام خصوصية “الحمل” أو “انقطاع الطمث”. هذا التخصيص هو محضُ الرحمة والحكمة؛ فبما أن الغرض هو التأكد من براءة الرحم، ولما اختلفت الأحوال البيولوجية للنساء، جاء “الخاص” ليضبط الوقت والميقات بما يحقق العدل لكل حالة.

​4. حتمية الموت: (تخصيصُ العقل بصفات الكمال)
​العموم البشري: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ وهو قانون الفناء الذي يسري على المخلوقات.
​الخصوص الإلهي: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
​إن العقل المؤمن يدرك بضرورة الفطرة هذا التخصيص؛ فالنفس تدرك فناء كل ما هو “مخلوق”، لكن “أنوار التخصيص” ترتقي بالعقل ليدرك حياة “الخالق” المطلقة، فيكون العام في دائرة الخلق، والخاص في جناب الذات الإلهية المنزهة.
​خاتمة: كمالُ التمازج
​إن العام والخاص في القرآن الكريم ليسا خصمينِ في حلبة التناقض، بل هما “كالبنيان المرصوص”؛ العام يمثل هيكل البناء العظيم وثباته، والخاص يمثل التفاصيل الدقيقة التي تمنح البناء ضياءه وروحانيته. إن الفهم الصحيح لهذا التمازج يطرد وهم التباين، ويفتح الآفاق لتدبر كتابٍ صادرٍ من لدن ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock