ملحمة أيوب ورحمة.. قراءة في فلسفة المحن ودفقات الوجدان السلوكي
بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

بين صمت الجرح وهيبة الصبر، تولد قصص الوفاء لتعيد صياغة التاريخ الإنساني.
في هذا المقال، يمزج الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس برؤيته الشرعية الفلسفية العمق التحليلي للمحن
مع دفقات الوجدان والتحليل السلوكي التي تصيغها الشاعرة والباحثة النفسية د. حنان مصطفى
ليقدما لنا قراءة مغايرة
لملحمة “أيوب ورحمة”؛
حيث لا يقاس الصبر بالأيام
بل بضربات القلوب الوفية
أيوب ورحمة.. حين تتوضأُ “المودة” بدموعِ الصبر
في محرابِ الابتلاءِ العظيم لم تكن قصة نبي الله أيوب عليه السلام حكاية جسدٍ صارع المرض فحسب
بل كانت ملحمةً لـ “قلبين” تعاهدا على الوفاء
قلب نبيٍّ صابر
وقلب زوجةٍ وفيةٍ صهرتها المحن فزادتها بريقاً
المشهد الأول: رحمة بنت إفرايم.. الظلُّ الذي لم يغب
تذكرُ المصادرُ التفسيرية والتاريخية (كـ “تفسير القرطبي” و”البداية والنهاية” لابن كثير)
أن هذه الزوجة الصالحة هي “رحمة بنت إفرايم بن يوسف” عليه السلام. لقد كانت حفيدةَ بنى الله يوسف الصديق
فورثت من جَدها عزةَ النفسِ في المحن
ومن أبيها عراقةَ الصبر
وحين اجتاح البلاءُ حياة أيوب انفضَّ الناسُ من حوله كأنَّ ذكراهُ قد غابت
إلا “رحمة” فقد ظلت الظلَّ الذي لا يغيب والمستقرَّ الذي يلوذُ به النبيُّ من آلامِ الوحدةِ والجراح
المشهد الثاني: ضفائرُ الوفاء.. ثمن الكرامة
بلغ الجهد بـ “رحمة” مداه حتى اضطرت للعمل في خدمة الناس لتُطعم زوجها المبتلى
وحين ضاقت الأسباب باعت “ضفائرها” لتشتري بها خبزاً
لم يكن قصُّ الضفائر مجرد فَقْدٍ للزينة بل كان “ذروة التضحية”
حيث قدمت أغلى ما تعتز به المرأة لتصون كرامة زوجها النبيّ من الجوع
وحين أبصرَ أيوبُ رفيقةَ دربه وقد جُزَّ شعرها انفجرَ بركانُ الحزنِ في قلبه
لم يكن غاضباً منها
بل كان حزناً على “الكرامة” التي هُتكت
واحتجاجاً على واقعٍ دفع بـ “حفيدةِ يوسف” الذى كان يخرج طعام العالم من تحت يده
لبيعِ زِينتها وتحت وطأةِ هذا وجع الحاجة والعوز
أقسم أيوبُ: “لئن شفاني اللهُ لأضربنَّكِ مائة ضربة”..
لقد كان قَسماً بدمعِ القلب
لا بسوطِ الانتقام
المشهد الثالث: نداءُ اليقين.. {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}
عندما بلغ الصبر مداه، رفع أيوب طرفه إلى السماء
لم يرفع “شكوى” بل رفع “رجاءً” بليغاً سجله القرآن الكريم:
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أرحم الرَّاحِمِينَ}.
تأمل أدب الأنبياء
لم يطلب الشفاء صراحة
بل وصف حاله ووصف ربه
فجاء الردُّ الإلهي أسرع من الومض:
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
الفاء التي لا تعرف التأخير فكشف الله ما به من ضر وفتح له الشفاء من رحم المعاناة:
{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}.
مغتسل يغسل ظاهره فيعود جماله وشبابه
وشراب يغسل داخله ويعيد صفاء النبوة وإشراقها
المشهد الرابع: لحظة اللقاء.. عودة النور
عادت “رحمة” تحمل كسرات الخبز
دخلت تبحث عن “أيوب المبتلى” فلم تجد إلا شاباً يفيضُ حُسناً
سألته بمرارة الفقد:
“يا عبد الله، هل رأيت المبتلى الذي كان ههنا؟
فوالله ما رأيت أحداً أشبه به منك يوم كان صحيحاً!”
تبسم أيوب والدموعُ في عينيه وقال: “يا رحمة، أنا أيوب”.
في تلك اللحظة نطق البكاءُ بما عجزت عنه الكلمات
وسقطت سنوات العذاب تحت أقدام العافية
المشهد الخامس: الضغث.. لمسةُ الرحمة لا حدُّ العقوبة
بعد الشفاء وقف أيوبُ حائراً أمام قَسَمِه كيف يضربُ مَن كانت له عيناً حين عمي؟ ورجلا حين عجز؟ وسلوانا حين الفقد؟
ونزل اللطفُ الإلهي بالحلِّ الأرق:
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ}.
أمره الله أن يأخذ حزمة من مائة عود رقيق
يلمسها بها لمسةً رقيقة تُبرُّ قَسَمه وتُصونُ كرامتها
كانت تلك الضربةُ هي “إعلانُ براءةٍ ووفاء”
الخاتمة:
“ومثلهم معهم”.. جبرُ القلوب
توج الله هذه الملحمة بقوله:
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا}.
إن الذي فجّر الماء من تحت قدم أيوب
قادرٌ على تفجير ينابيع الفرح من وسط صخرة يأسك
إن الفرج لا يزحف زحفاً
بل يأتي في طرفة عين
ليجبر كسور السنين ويُنسيك مرارة الماضي بحلاوة العطاء
عن الكاتبين:
د. كامل عبد القوي النحاس: أديب ومفكر
متخصص في الفقه المقارن وأصول الفقه
تتسم رؤيته بالقدرة على دمج الانضباط الأصولي بالتحليل الفلسفي للفكر الإنساني
مستخدماً الأدب كجسرٍ يربط بين عمق التراث وتحديات المعاصرة
مما يضفي على كتاباته صبغةً تجمع بين الحكمة والتحليل المعرفي الرصين
د. حنان مصطفى: شاعرة وكاتبة
باحثة متخصصة في علم النفس السلوكي
تركز في مشروعها الأدبي على تشريح السلوك البشري من منظور نفسي
وترجمة دفقات الوجدان إلى رؤى علمية تلامس الروح الإنسانية خاصة في رصد استجابات النفس البشرية للمحن والتحولات الروحية الكبرى



