لا يقتصر مفهوم التسول على طلب المال في الشوارع أو الميادين، بل يتجاوز ذلك ليشمل كل ما يطلبه الإنسان من الآخرين بإلحاح وتكرار. فالتسول، في جوهره، هو حالة من الاحتياج المستمر، سواء كان احتياجًا ماديًا أو نفسيًا أو عاطفيًا.
يطلب كل إنسان وفق ما ينقصه أو ما يشعر بالحاجة إليه؛ فهناك من يتسول المال، وهؤلاء نراهم بوضوح في الطرقات والساحات العامة، حيث يصبح احتياجهم ظاهرًا للعيان. إلا أن هناك نوعًا آخر من التسول، أكثر قسوة وأشد ألمًا، وهو تسول المشاعر والاهتمام.
تسول المال مكشوف، أما تسول المشاعر فخفي، والخفي – كما هو معروف – أشد فتكًا من الظاهر.
فالشخص الذي يتسول المشاعر يعيش صراعًا داخليًا صامتًا، وقد يتعرض للاستغلال العاطفي من الآخرين، أو يفرط تدريجيًا في كرامته التي ظل يحافظ عليها لسنوات طويلة.
ويُعد تسول المشاعر أخطر أنواع التسول، لأنه يمس كرامة الإنسان وإنسانيته بشكل مباشر، ويترك أثرًا نفسيًا عميقًا قد لا يلتئم بسهولة.
ومع ذلك، يبقى الإنسان قادرًا على حماية نفسه وصون كرامته إذا أدرك قيمة ذاته وحدود علاقاته.
– فالمتسول من أجل المال، متى ما عمل واجتهد ورضي بما قسمه الله له وشكره عليه، استطاع أن يحفظ كرامته.
– أما متسول المشاعر، فالحل أمامه أن يشغل نفسه بالعمل، بالقراءة، بالتعلم، أو بأي نشاط يعيد إليه ثقته بذاته، وأن يبتعد عن العلاقات التي تجعله محتاجًا للآخرين على حساب كرامته.
في النهاية، تبقى الكرامة جزءًا لا يتجزأ من إنسانية الإنسان، ومن يفرط فيها بدافع الحاجة العاطفية قد يخسر نفسه قبل أن يخس
ر الآخرين.



