ما جرى لم يكن صدفة ولا نبوءة بل قراءة دقيقة لأسلوب إدارة ترامب للأزمات حيث تتحول السياسة الخارجية إلى أداة تحريك للأسواق وتوجيه رؤوس الأموال
تحريك الأسطول الأميركي نحو إيران لم يكن مقدمة لضربة عسكرية بل مشهدا محسوبا بدقة لإشعال القلق العالمي ورفع أسعار الذهب ثم الانقضاض عليه بعمليات بيع منظمة
قبل أيام ارتفع الذهب العالمي بنسبة تجاوزت أحد عشر في المئة في تحرك غير مسبوق تاريخيا خلال أسبوع واحد وهو صعود يتجاوز كل المعدلات المعروفة حتى في أوقات الأزمات الكبرى
هذا الارتفاع الاستثنائي انتهى فجأة بعملية بيع ضخمة نفذتها المصارف الأميركية الكبرى ليتبخر ما يقارب ثمانية وخمسين مليار دولار في دقائق قليلة بعد بلوغ الأسعار ذروتها
المعادلة كانت واضحة
تصعيد سياسي محسوب
قلق عالمي متعمد
ارتفاع حاد في الذهب
ثم جني أرباح عنيف
القضية لم تعد مرتبطة بشخص ترامب فقط بل بالدائرة المحيطة به وبأنصاره الذين يمنحونه غطاء أيديولوجيا وعاطفيا يبرر كل شيء
جزء من التيار الإنجيلي المتشدد ينظر إليه كشخصية تاريخية مكلفة بمهمة كبرى فيغفر له الفساد المالي والسياسي ويحول الإخفاقات إلى بطولات
هذا الولاء الأعمى سمح بتحويل التوتر مع إيران إلى أداة استثمارية
بينما ينشغل العالم بخطاب الحرب تقف غرف التداول لتحصي المكاسب
وبينما ينتظر الأنصار المخلص الموعود كان الشركاء يجنون الأرباح من قلق الأسواق
لم تكن هناك نية لقصف طهران
بل كان الهدف إلهاء العالم عن أزمات داخلية وفضائح سياسية شهدتها الساحة الدولية في دافوس
مشهد استعراضي عالي الكلفة على العالم ومنخفض المخاطر على من يديره
الخطورة الحقيقية لا تكمن في تحريك حاملات الطائرات بل في ازدواجية المشهد
جماهير تعيش الوهم باسم العقيدة
ونخبة مالية تحصد المليارات من توتر مصطنع دون إطلاق رصاصة واحدة
في النهاية يفكر ترامب بعقلية رجل الصفقات
يرى إنقاذ أميركا من فخ الديون لا يتم بالحروب بل بإدارة الخوف واستثماره
يقدم نفسه كرئيس يخطط لأميركا ببراغماتية قاسية
ويحول السياسة من ميدان مبادئ إلى ساحة تداول
الدرس الأخير
ترامب لا يقود العالم نحو الحرب
بل يقوده إلى سوق مفتوحة يدفع ثمنها القلق العالمي وتربح منها قلة تعرف كيف تشعل النار ثم تبيع الماء