التغيير الوزاري في مصر… من إدارة العاصفة إلى اختبار الثقة
بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار

لم يعد التغيير الوزاري في مصر مجرد إجراء دستوري يُعلن في نشرات الأخبار، ولا مجرد حركة أسماء بين الحقائب، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى حدث سياسي واقتصادي واجتماعي ينتظر فيه المواطن إشارة أمل، وتقرأ فيه النخب اتجاه الدولة، وتختبر فيه القيادة قدرتها على إدارة مرحلة شديدة التعقيد.
منذ عام 2023 وحتى التعديل الأخير في فبراير 2026، يمكن قراءة المشهد الحكومي باعتباره رحلة انتقال تدريجي من إدارة الأزمة إلى محاولة صناعة الأثر، وسط ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وتحديات إقليمية متسارعة، وانتظارات شعبية مشروعة.
2023… حكومة تُمسك بزمام العاصفة
دخلت الحكومة عام 2023 وهي تواجه واحدة من أصعب الفترات الاقتصادية في تاريخها الحديث: تضخم عالمي، اضطراب في سلاسل الإمداد، ضغط على العملة، وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة. في تلك اللحظة، لم يكن التغيير الوزاري أولوية بحد ذاته، بل كان الهدف الأساسي هو منع الانزلاق والحفاظ على التماسك.
الدولة تحدثت آنذاك بلغة الأرقام والمؤشرات والفوائض الأولية، بينما عاش المواطن بلغة السوق والاحتياجات اليومية. لم يكن السؤال المطروح: من الوزير؟ بل: هل السلعة متوفرة؟ وهل الغد آمن؟ وهنا بدأت تتشكل فجوة إدراك بين منطق الدولة ومنطق الشارع.
2024… إعادة ترتيب الأوراق
مع دخول عام 2024، أصبح واضحًا أن إدارة الأزمة وحدها لم تعد كافية. فجاء التغيير الوزاري الأوسع ليحمل رسالة سياسية وتنفيذية مفادها أن المرحلة تتطلب أدوات جديدة ووجوهًا مختلفة.
شهد التشكيل دخول وزراء بخلفيات اقتصادية وفنية، وإعادة توزيع للملفات، ومحاولة واضحة لاستعادة زمام المبادرة، خاصة في القطاعات الخدمية والاقتصادية.
بالنسبة للمواطن، بدا هذا التغيير كأنه وعد جديد، لكنه وعد مشوب بالحذر؛ فالتجربة علّمته أن الوعود لا تُقاس بالخطابات، بل بفاتورة السوق، وكلفة المعيشة، وفرص العمل.
فبراير 2026… عندما يتقدّم الانضباط
جاء تعديل فبراير 2026 ليضيف بُعدًا أكثر وضوحًا للمشهد: الانضباط التنفيذي. هنا لم يكن التركيز على التجديد بقدر ما كان على نوعية الخبرة.
برز حضور وزراء ذوي خلفيات عسكرية وشرطية في الحقائب الثقيلة، مقابل الاعتماد على تكنوقراط مدنيين في الاقتصاد والتخطيط والخدمات.
في مقدمة المشهد، يأتي الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، كعنوان للاستمرارية. مدبولي، أستاذ التخطيط العمراني ووزير الإسكان السابق، قاد الحكومة خلال سنوات شديدة الصعوبة، من جائحة كورونا إلى الأزمات الاقتصادية العالمية. وقد اعتمد أسلوب إدارة قائمًا على المتابعة الميدانية، وتنفيذ المشروعات القومية، والحفاظ على استمرارية الدولة رغم الضغوط.
إن تجديد الثقة فيه من قبل السيد المشير عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية لم يكن قائمًا على شخصه فقط، بل على نموذج إدارة أثبت قدرته على العمل تحت الضغط، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، وتحمل كلفة القرارات الصعبة.
وعلى المستوى السيادي، يتولى الفريق أول عبد المجيد صقر وزارة الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، متحملًا مسؤولية حماية الأمن القومي والاستعداد الاستراتيجي للدولة. وفي ملف النقل، يقود الفريق كامل الوزير وزارة النقل بعقلية عسكرية تعتمد على الانضباط والإنجاز بالمشروعات والجدول الزمني، في قطاع يُعد شريانًا رئيسيًا للاقتصاد.
وفي الداخل، يقود اللواء محمود توفيق وزارة الداخلية، مستندًا إلى مسيرة شرطية طويلة، حيث تتمحور مهمة الوزارة حول حفظ الأمن والاستقرار اليومي للمواطن. أما اللواء صلاح سليمان، وزير الدولة للإنتاج الحربي، فيدير منظومة صناعية عسكرية ذات دور مزدوج: دفاعي وتنموي.
التكنوقراط المدنيون… إدارة الاقتصاد والخدمات
بالتوازي مع الانضباط العسكري، أسندت الحكومة الملفات الاقتصادية والتخطيطية إلى كوادر مدنية متخصصة.
يتولى الدكتور حسين أحمد عيسى، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، تنسيق السياسات الاقتصادية وضمان عمل المجموعة الاقتصادية كمنظومة واحدة. ويقود الدكتور محمد فريد وزارة الاستثمار بخبرة مالية وأسواق مال، مستهدفًا جذب الاستثمار وزيادة الصادرات.
أما التخطيط، فيقوده الدكتور أحمد رستم بعقلية تعتمد على المؤشرات والقياس لا الانطباعات.
في التعليم العالي، يدير الدكتور عبد العزيز قنصوة ملف الجامعات والبحث العلمي بخبرة أكاديمية وتنفيذية، بينما تقود المهندسة راندة المنشاوي وزارة الإسكان بعقلية المشروعات القومية.
ويقود المهندس رأفت هندي وزارة الاتصالات، واضعًا التحول الرقمي في قلب مشروع الدولة الحديثة.
خارجيًا، يدير الدكتور بدر عبد العاطي وزارة الخارجية بخبرة دبلوماسية ممتدة، بينما يتولى ضياء رشوان وزارة الدولة للإعلام، مسؤولًا عن إدارة الخطاب الرسمي والتواصل مع المجتمع.
وفي العدالة والتشريع، يقود المستشار محمود حلمي الشريف وزارة العدل، ويتولى المستشار هاني عازر التنسيق بين الحكومة والبرلمان.
أما الثقافة، فتقودها الدكتورة جيهان زكي برؤية تستهدف تعزيز القوة الناعمة، فيما يدير حسن رداد وزارة العمل من موقع خبرة إدارية، ويتولى جوهر نبيل وزارة الشباب والرياضة باعتبارها مصنع الإنسان، ويقود خالد هاشم وزارة الصناعة بخبرة تنفيذية دولية.
المواطن… معيار النجاح الحقيقي
رغم هذا التنوع في الخبرات والسير الذاتية، يظل المواطن هو المعيار الحقيقي. فهو لا يقيس الحكومات بالرتب ولا بالشهادات، بل بقدرتها على تخفيف العبء، وضبط الأسعار، وفتح أفق للمستقبل.
وهنا يتحدد جوهر التحدي: تحويل الانضباط الإداري والخبرة الفنية إلى أثر ملموس في حياة الناس.
العامان القادمان… اختبار الثقة
العامان القادمان ليسا امتدادًا طبيعيًا لما قبلهما، بل لحظة حسم. فإما أن تتحول هذه التركيبة المتوازنة بين القيادة والانضباط والتخصص إلى نتائج يشعر بها المواطن، أو تتسع الفجوة بين الدولة والشارع.
التحدي الأكبر لن يكون اقتصاديًا فقط، بل تواصليًا وإنسانيًا: كيف تشرح الحكومة قراراتها؟ وكيف تُقنع المواطن أن التغيير هذه المرة ليس شكليًا؟
الخاتمة
التغيير الوزاري ليس استعراضًا للأسماء ولا للرتب، بل اختبار لقدرة الدولة على تحويل الخبرة إلى أثر. وبين حكومة تحاول إعادة هندسة نفسها، ومواطن ينتظر حياة أكثر استقرارًا، يبقى السؤال معلقًا في وجدان الشارع:
هل يصبح هذا التغيير بداية أمل حقيقي… أم مجرد محطة أخرى في طريق طويل من الانتظار؟



