التفاهة، كظاهرة اجتماعية وثقافية، تجد رواجاً ودعماً من جمهور يبحث عن الهروب، التسلية السطحية، أو التخدير العقول، مما يمنح التافهين (أصحاب المحتوى الهابط ) شهرة واسعة وتصدراً للمشهد، حيث أصبحت التفاهة “كنزاً لا يفنى” في عصر يغيب فيه التفكير النقدي وتسيطر القيم المادية.
التفاهة في معاجم اللغة تعني الشيء الذي لا قيمة ولا أهمية له، ومن ضمن مرادفات التفاهة، الخبث، والخساسة، والرداءة، والتسطيح، والشيء المنعدم القيمة والأهمية، والتعريفات، والأمثلة لا تنضب وهي تطال كل شيء، في السياسة والدين والفكر والفن والغناء والأدب والإعلام والتعليم والاقتصاد ومختلف الميادين.
والتافهون هنا باحثون عن حضور وشهرة ومال ومنصب بأي شكل وبأي طريقة، المهم أن يحصل هؤلاء على المراد، يفتون في كل شيء في برامج تلفزيونية وتصريحات صحفية وندوات عامة، ومجالس شعبية، ومواقع إليكترونية، منهم تحت مظلة ناشط، او محلل، او خبير، او كاتب، او يقدم نفسه او يقدم لنا تحت عنوان رجل دين، او مفكر، او سياسي.
وهؤلاء يجيدون ممارسة فنون الدسِّ والتشويه والفبركة والتحرش! بعقول الناس، منهم من أصبح خامة تفاهة مطلوبة في كثير من المناسبات، لذلك لم يكن مستغرباً أن تظهر دعوات بالتوقف عن جعل الأغبياء والتافهين يصعدون على سلم الشهرة..
اما عن عصر التفاهة: فيصف الكاتب ( آلان دونو) هذا الزمن بـ “نظام التفاهة”، حيث حسم التافهون المعركة لصالحهم، وأصبحوا يمسكون بمفاصل الأمور، مما يهدد بانقراض التفكير.
جمهور التفاهة هم المغيبون الذين يعطون قيمة وأهمية للأمور السطحية، ويدعمون طبولاً خاوية في السياسة والفن والتعليم، ويشغلون أنفسهم بتوافه الأمور على حساب ما يستحق الاهتمام.
الهروب والتخدير: يفضل الكثيرون التفاهة لأنها تضحكهم أو تلهيهم عن واقعهم المؤلم، مما يجعل التافهين يتصدرون المشهد، بينما يتم تجاهل المثقفين وأصحاب الفكر.
انقلاب القيم: عندما تتصدر التفاهة، يصبح “التافه” نجماً، وتنتكس أذواق الناس، ليصبح صاحب المحتوى الهابط هو صاحب “الشأن” و”الناس”.
كما يقول تشيخوف، فإن انتشار التفاهة دليل على مجتمعات فاشلة، حيث يطغى الأحمق على العاقل.
فعندما سُئل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، أجاب قائلا :
في المجتمعات الفاشلة، يوجد ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية. تظل الغالبية بلهاء دائمًا، وتغلب العاقل باستمرار. فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات في أحد المجتمعات، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جدًا.
فعلى سبيل المثال، الأغاني والكلمات التي لا معنى لها تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها، ويصبح صاحب الأغنية مشهورًا ومعروفًا ومحبوبًا. بل حتى الناس يأخذون رأيهم في شؤون المجتمع والحياة، أما الكتاب والمؤلفون، فلا أحد يعرفهم ولا أحد يعطيهم قيمة أو وزنًا.
معظم الناس يحبون التفاهة والتخدير فمثلا شخص يخدرنا ليغيّب عقولنا عنا، وشخص آخر يضحكنا بالتفاهات، أفضل من شخص يوقظنا للواقع ويؤلمنا بالقول الحق.
ولذلك فإن الديمقراطية لا تصلح للمجتمعات الجاهلة، لأن الأغلبية الجاهلة هي التي ستقرر مصيرك.
هل التفاهة شي حادث لم يكن من سابق لذلك وجد التافهون شهرة واسعة .
أم أن التفاهة من قديم وليس شي جديد لكن للاسف أذواق الناس انتكست فرفعوا وصفقوا ولمعوا التافه واعرضوا وحاربوا العالم والناصح .
وكارثة حين بات بعض التافهين مثلاً أعلى عند البعض، وكارثة أكبر حين نجد تافهين يفتون في كل شيء، في السياسة، في الدين، في الاقتصاد، في التكنولوجيا.
في أمور المجتمع والناس، وكارثة أن يتوارى رأي من يفترض أن يسمع لهم، وأن يكونوا في الصدارة، وكارثة أكبر وأكبر حين يتزاد أعداد من يمارسون التفاهة ويعمقون حضورها، ويقودون خطاها، ويتكسبون منها، وتتعاظم مصالحهم بوجودها.
ويحسب لهؤلاء أنهم جعلوا مهمتهم منظمة ومعلنة ومعممة ومستشرية وغير محتكرة، والمأساة، بل قمة المأساة حين نجد بعض ما يقوم به هؤلاء يحتفى به في احتفالات ومهرجانات رسمية فاخرة توزع فيها الألقاب والجوائز والمكافآت..
وحين يكون المثقف والأكاديمي على أتم جاهزية واستعداد لبيع عقله وعلمه وثقافته وقلمه سعياً وراء مصلحة او منفعة او منصب، وحين تكون الجامعات مصنعاً لأصحاب شهادات لا يحتاجها المجتمع ولا سوق العمل ولا مكان لعقول نقدية فيها، وحين نجد مواقع إلكترونية وإعلامية تخصصت وتفوقت في إنتاج وتقديم برامج مغرقة في التفاهة، برامج لا تحمل أي مضمون جعلت من بعض التافهين نجوماً ومشاهير، وأصحاب ملايين.