صحف وتقارير

التقارب المصرى التركى.. لماذا ترتبك تل أبيب؟

بقلم احمد شتيه

 

 

فى كل مرة تشهد فيها المنطقة تحركًا استراتيجيًا غير تقليدى، ترتفع نبرة القلق فى وسائل الإعلام العبرية.

هذا ما حدث مؤخرًا مع تسارع وتيرة التقارب المصرى التركى، وما صاحبه من حديث عن اتفاقات تعاون عسكرى وأمنى بين البلدين، لتبدأ فى تل أبيب موجة تحليلات تحذر من “محور جديد” قد يعيد تشكيل موازين القوى فى شرق المتوسط والبحر الأحمر.

 

لكن السؤال الجوهرى: هل المخاوف الإسرائيلية حقيقية ومبررة؟ أم أنها انعكاس لحساسية مفرطة تجاه أى تحالف إقليمى لا تكون إسرائيل طرفًا فيه؟

والسؤال الاهم لماذا تخشى إسرائيل هذا التقارب ؟

أولًا: ثقل الدولتين عسكريًا وجغرافيًا

مصر وتركيا تمثلان قوتين عسكريتين كبيرتين فى المنطقة، وتملكان إشرافًا مباشرًا على مسارين بحريين بالغى الحساسية: البحر المتوسط والبحر الأحمر و أى تنسيق عسكرى أو أمنى بينهما يعنى عمليًا إعادة توزيع للنفوذ البحرى، خصوصًا فى شرق المتوسط حيث تتشابك ملفات الغاز والطاقة والتحالفات البحرية.

 

ثانيًا: الملف الفلسطينى وغزة

إسرائيل تدرك أن القاهرة وأنقرة، رغم اختلاف زوايا الرؤية أحيانًا، تملكان تأثيرًا مباشرًا على المشهد الفلسطينى. وأى تقارب بينهما قد يعزز التنسيق السياسى بشأن غزة، ويحد من حرية الحركة الإسرائيلية فى إدارة هذا الملف منفردة.

 

ثالثًا: خرائط الطاقة والغاز

شرق المتوسط تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس استراتيجى. مصر مركز إقليمى لتسييل الغاز، وتركيا بوابة رئيسية لنقله إلى أوروبا. إذا نجح الطرفان فى صياغة تفاهمات طويلة المدى، فإن ذلك قد يغير قواعد اللعبة الاقتصادية ويؤثر على تحالفات الطاقة التى كانت إسرائيل جزءًا منها.

 

هل المخاوف واقعية أم مبالغ فيها؟

من منظور واقعى، لا توجد مؤشرات على أن التقارب المصرى التركى يستهدف مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل.

السياسة المصرية، على سبيل المثال، تقوم على مبدأ التوازن الاستراتيجى وتجنب الاستقطاب الحاد، بينما تسعى تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تموضع إقليمى يخفف من حدة التوترات السابقة.

الحديث عن “تحالف معادٍ” قد يكون أقرب إلى قراءة إسرائيلية متحفظة تستند إلى مبدأ معروف فى العقيدة الأمنية الإسرائيلية: منع تشكل أى اصطفاف إقليمى قد يقيد حرية حركتها.

بعبارة أخرى، المخاوف ليست بالضرورة نابعة من تهديد عسكرى وشيك، بل من احتمال فقدان التفوق النسبى فى بعض الملفات.

 

إعادة تموضع أم مواجهة مفتوحة؟

الأرجح أن التقارب يأتى فى إطار إعادة التموضع الإقليمى، لا صناعة محور صدامى.

المنطقة تمر بمرحلة سيولة استراتيجية:

صراعات ممتدة فى غزة والسودان وليبيا.

تهديدات متصاعدة للملاحة فى البحر الأحمر.

تنافس دولى على النفوذ فى شرق المتوسط.

 

فى هذا السياق، قد يكون التنسيق المصرى التركى هدفه الأساسى تأمين المصالح البحرية، وضبط التوازن، ومنع أى طرف من الانفراد بفرض وقائع جديدة، وليس الدخول فى مواجهة مباشرة.

كما أن حماية البحرين الأحمر والمتوسط مسألة تتجاوز إسرائيل؛ فالملاحة الدولية، وأمن الطاقة، وحركة التجارة العالمية، كلها عوامل تفرض تعاونًا إقليميًا أوسع.

 

هل يشكل التقارب خطرًا على إسرائيل؟

إذا كان معيار “الخطر” هو فقدان القدرة على التحرك دون حسابات إقليمية، فالإجابة نعم، قد يمثل هذا التقارب عنصر ضغط سياسى واستراتيجى على تل أبيب.

أما إذا كان المقصود تهديدًا عسكريًا مباشرًا، فالمعطيات الحالية لا تشير إلى ذلك.

التقارب المصرى التركى لا يبدو مشروع مواجهة، بل مشروع توازن. وإسرائيل، بحكم موقعها وتحالفاتها الدولية، ما زالت لاعبًا قويًا فى المعادلة. لكن زمن التحرك المنفرد دون مراعاة حسابات القوى الإقليمية قد يكون فى طريقه إلى التراجع.

 

برأيى، ما يجرى ليس تشكيل محور ضد إسرائيل، بل إعادة صياغة لخريطة النفوذ فى المنطقة.

الدول الكبرى فى الإقليم تعيد حساباتها وفق معادلة المصالح لا الشعارات فمصر تتحرك لحماية أمنها القومى وحدودها البحرية واستقرار جوارها المباشر، وتركيا تسعى إلى استعادة دورها كلاعب متوازن بعد سنوات من الاستقطاب.

القلق الإسرائيلى مفهوم من زاوية الحسابات الأمنية، لكنه يبدو حتى الآن أقرب إلى قراءة استباقية أكثر منه استجابة لتهديد فعلى.

المنطقة تدخل مرحلة توازنات دقيقة؛ ومن يفهم قواعدها الجديدة مبكرًا، سيكون الأقدر على حماية مصالحه دون صدام غير محسوب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock