لم تكن الواقعة مجرد مناورة بحرية عابرة ولا خلاف إدارى محدود بل كانت إشارة خطيرة إلى تصدع عميق فى بنية الدولة الجنوب أفريقية حين يصدر رئيس منتخب أمرا واضحا بسحب السفن الإيرانية من المناورة العسكرية ويتجاهله الجيش بشكل عملي ويمضى قدما فى التعاون العسكرى وكأن القرار لم يصدر
الرئيس سيريل رامافوزا أصدر توجيها مباشرا بانسحاب السفن الإيرانية فورا غير أن المؤسسة العسكرية تصرفت بعكس ذلك تماما إذ واصلت المناورة بشكل طبيعى ثم حذفت بيانا رسميا وبعدها بساعات أبحرت السفينة الإيرانية ضمن الأسطول المشارك فى مشهد لا يمكن وصفه إلا بكونه تمردا ناعما داخل دولة من مجموعة العشرين
الأزمة الحقيقية لم تكن فى المناورة ذاتها بل فى طبيعة الطرف الإيرانى المشارك فالسفينة التى حملت اسم شاهيد مهداوى لا تتبع البحرية الإيرانية التقليدية بل تتبع الحرس الثورى الخاضع لعقوبات دولية وهى فى جوهرها قاعدة عسكرية عائمة مخصصة لإطلاق الطائرات المسيرة ما يعني أن الجيش الجنوب أفريقى استضاف كيانا عسكريا مصنفا دوليا بينما تعلن حكومته التزامها بالقانون الدولي
التحرك العسكري أثار غضبا أمريكيا غير مسبوق حيث خرجت السفارة الأمريكية عن اللغة الدبلوماسية المعتادة وأعلنت بوضوح أن ما جرى يمثل تحديا مباشرا لأوامر الحكومة المنتخبة وهو موقف يضع جنوب أفريقيا في مواجهة مفتوحة مع أحد أهم شركائها التجاريين ويهدد اتفاقية التجارة الحرة التي يعتمد عليها ملايين المواطنين في مصادر رزقهم
المشهد يعكس انقساما خطيرا داخل الدولة قيادة سياسية تحاول الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع الغرب ومنع انهيار الاقتصاد في مقابل قيادة عسكرية تتجه شرقا وتنسج تحالفات واضحة مع محور الصين وروسيا وإيران في تحول استراتيجي يتم دون تفويض شعبي أو غطاء سياسي
الأسواق المالية بدت هادئة باعتبار ما جرى مجرد خلاف دبلوماسي عابر غير أن الواقع أعمق بكثير فحين يتمرد جيش دولة ديمقراطية على رئيسها المنتخب لصالح تحالف مع نظام خاضع للعقوبات فإن الدولة تكون على حافة انزلاق خطير نحو حكم عسكري مقنع وتكون السيادة الوطنية أول الضحايا
إيران في هذا المشهد لم تطلق رصاصة واحدة لكنها نجحت في إحداث شرخ داخل واحدة من أهم دول أفريقيا وعلى مسافة آلاف الكيلومترات
يبقى السؤال مفتوحا هل يستطيع الرئيس رامافوزا استعادة السيطرة وإقالة قادة الجيش أم أن جنوب أفريقيا دخلت بالفعل مرحلة جديدة تتحول فيها إلى ساحة نفوذ متقدمة للمحور الشرقي في القارة السمراء