لم يعد الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب والفضة حدثًا اقتصاديًا عابرًا، ولا يمكن اعتباره موجة مضاربات مؤقتة في الأسواق العالمية، بل أصبح مؤشرًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الخطورة، يكشف حجم التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي، وما يُعدّ خلف الكواليس من صراعات كبرى وحروب محتملة، وانهيارات نقدية لا تقل خطرًا عن الانهيارات العسكرية.
حين يتجاوز سعر جرام الذهب في السوق المصرية حاجز الثمانية آلاف جنيه، وتكسر الأونصة عالميًا مستوى 5300 دولار، بينما تقفز الفضة بأسرع وتيرة صعود منذ عقود، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: لماذا ارتفع الذهب؟ بل: ماذا انهار في المقابل؟
والإجابة الواضحة هي أن ما نشهده ليس ارتفاعًا في قيمة الذهب، بل تآكلًا متسارعًا في قيمة العملات الورقية نفسها.
الذهب لم يصبح أغلى… بل النقود أصبحت أرخص.
العملات الورقية التي يتعامل بها العالم اليوم، وعلى رأسها الدولار، ليست أموالًا ذات غطاء حقيقي، ولا تستند إلى ذهب أو فضة أو أصول مادية، بل تقوم بالكامل على الثقة والقرار السياسي والقوة القانونية. قيمتها لا تنبع من ذاتها، بل من إيمان الناس بالدولة المصدرة لها. وحين تبدأ هذه الثقة في التآكل، لا تسقط العملة وحدها، بل يهتز النظام المالي بأكمله.
منذ عام 1971، حين قررت الولايات المتحدة فكّ ارتباط الدولار بالذهب، دخل العالم عصر المال غير المغطّى. ومنذ ذلك التاريخ، تضخمت الديون بلا حدود، واتسعت الفجوة بين المال الحقيقي والمال الورقي، وتحولت الطباعة النقدية إلى أداة سياسية قبل أن تكون أداة اقتصادية. لكن ما يحدث اليوم يختلف جذريًا عن كل ما سبق، لأن الأزمة لم تعد في الأرقام، بل في الثقة ذاتها.
خلال الفترة الأخيرة، تراجع الدولار بشكل لافت أمام معظم العملات، بما في ذلك الجنيه المصري، وهبط مؤشر الدولار العالمي إلى أدنى مستوياته منذ سنوات. هذا التراجع لا يبدو عارضًا ولا مفاجئًا، بل يأتي في سياق سياسي واقتصادي واضح المعالم منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
ترامب لم يُخفِ يومًا نظرته إلى الدولار باعتباره أداة تجارية لا رمز سيادة. في أكثر من تصريح، انتقد قوة الدولار، واعتبرها عبئًا على الصادرات الأمريكية، وأكد أن ضعف العملة يخدم الاقتصاد المحلي ويقلل العجز التجاري. وعندما سُئل صراحة عن تراجع الدولار، لم يُبدِ أي قلق، بل وصف أداءه بأنه “جيد”، في إشارة فاضحة إلى قبول – بل وتبنّي – سياسة إضعاف العملة.
الأخطر من ذلك أن ترامب ربط علنًا بين أزمة الديون الأمريكية الضخمة وبين الحاجة إلى سياسات نقدية مختلفة، في وقت تجاوز فيه الدين القومي الأمريكي 38 تريليون دولار، وأصبحت فوائد هذا الدين وحدها تلتهم نسبة ضخمة من إيرادات الدولة. عمليًا، إضعاف الدولار يؤدي إلى تقليص القيمة الحقيقية للدين دون المساس بأرقامه الاسمية، وهو ما يجعل الأسواق تفسّر تصريحات ترامب وسلوك إدارته بوصفها استخدامًا متعمّدًا لسعر الصرف كأداة لإدارة أزمة ديون مستعصية.
سواء أُعلن هذا القرار بصيغة رسمية أم لا، فإن الواقع واحد: الدولار لم يعد مقدسًا، بل تحوّل إلى أداة سياسية، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي عملة احتياطية عالمية.
أمام هذا المشهد، لم يعد غريبًا أن يهرب العالم إلى الذهب والفضة. فالدول والبنوك المركزية تعلّمت درسًا قاسيًا عندما جُمّدت الأصول الروسية عام 2022، واكتشفت أن الأموال المحفوظة بالدولار يمكن مصادرتها بقرار سياسي، بينما الذهب لا يُجمَّد ولا يُصادَر ولا يخضع لإرادة دولة أو رئيس.
لهذا شهدت السنوات الأخيرة اندفاعًا غير مسبوق للبنوك المركزية نحو شراء الذهب، وارتفعت حصته في الاحتياطات العالمية إلى أعلى مستوى لها منذ التسعينيات، في مقابل تراجع واضح لحصة الدولار. ومصر، مثل كثير من الدول، اتجهت إلى تعزيز احتياطياتها الذهبية، إدراكًا لطبيعة المرحلة المقبلة وعدم اليقين الذي يلف النظام النقدي العالمي.
الفضة بدورها تعود إلى المشهد بقوة، لا كمعدن صناعي فقط، بل كعملة تاريخية لطالما لعبت دور “مال الشعوب”. ومع انهيار الثقة في النقود الورقية، تصبح الفضة خيارًا منطقيًا: أقل تكلفة من الذهب، محدودة المعروض، ولها استخدام صناعي ونقدي في آن واحد. صعودها الحالي ليس مضاربة، بل استعداد نقدي لما هو قادم.
التاريخ يخبرنا بحقيقة لا تتغير: لا تسبق الحروب الكبرى إلا أزمات نقدية عميقة. قبل الحرب العالمية الأولى انهارت أنظمة الذهب الأوروبية، وقبل الحرب العالمية الثانية سبقتها أزمات ديون وعملات خانقة، وحرب فيتنام كانت مقدمة لفك ارتباط الدولار بالذهب. واليوم، تتكرر المعادلة ذاتها: ديون قياسية، عملات بلا غطاء، طباعة غير مسبوقة، وصراع عالمي على النفوذ.
ومع تصاعد التوترات العسكرية حول إيران، وتايوان، وأوكرانيا، وتصدّع التحالفات الغربية، يصبح الذهب مرآة صادقة لما يُحضَّر في الغرف المغلقة. الذهب لا يرتفع بسبب الخوف فقط، بل لأنه يقيس حجم الكذب في النظام النقدي القائم.
أما الحديث عن إمكانية تراجع الذهب، فيصطدم بحقيقة واحدة: الحل التقليدي الوحيد لإنقاذ الدولار هو رفع الفائدة بشكل عنيف، كما حدث في عهد بول فولكر. لكن هذا الخيار اليوم يعني انفجار الدين الأمريكي، وركودًا شاملًا، وانهيارًا في أسواق العقار والأسهم، وهو ثمن لا تستطيع أي إدارة تحمّله.
لهذا، يبدو المسار واضحًا: الدولار سيواصل التراجع، والذهب والفضة سيواصلان الصعود، ليس لأنهما سلعتان، بل لأنهما آخر ما تبقى من “مال حقيقي” في عالم ينهار فيه مفهوم القيمة.
ما يحدث اليوم ليس أزمة أسعار، بل انكشاف خدعة تاريخية اسمها “المال الورقي”.