مقالات وآراء

الخطاب الديني من مرآة الفن: بين الإيمان والإختزال

بقلم: چھاد القاضي

لاشك أن الفن عملاً الهيكل الأساسي في بنائه هو “الإبداع” وهذا الهيكل يعتمد بشكل كبير على حرية التعبير والتخيل للوصول إلى قدر عالي من نسج منتج فني قابل للترفيه أو للتأثير على المتلقي، وعندما نقوم بجعل محور مثل “الدين” وهو محور عقائدي يقوم أساسه على الثبات واليقين المطلق، هنا تبدأ المعضلة في تسخير الفن لتجسيد الدين أو بالأحرى التعبير عن بنوده.
أرى أن علاقة الفن بالخطاب الديني ليست قائمة على السرد المحايد لنشر فكرة عقائدية ما بل أصبحت علاقة قائمة على إعادة تشكيله، كما ذكرت في السابق أن الفن بطبيعته لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد ترتيبه دراميًا في إطار إبداعي وفق ما يخدم السرد والصراع والشخصيات.
حين يدخل الدين إلى العمل الفني، فإنه غالبًا لا يدخل بوصفه منظومة قيمية، بل بوصفه مجموعة رموز درامية قابلة للإستخدام ومن هنا تبدأ المشكلة فتتحول بعض عناصر الدين إلى موضوع مركزي مبالغ فيه، بينما تختفي عناصر أخرى أكثر عمقًا وتأثيرًا في الحياة اليومية.
لو نظرنا إلى تاريخ السينما والدراما في مصر سنلاحظ أن الدين لم يكن دائمًا موضوعًا مباشرًا كما هو اليوم، فمثلاً أفلام الحقبة الذهبية في الأربعينيات إلي الستينات التي تم طرح الدين بها كمحتوى قيمي في السرد كما هو في فيلم: فاطمة وماريكا و راشيل أو في فيلم الشيماء هؤلاء النماذج كان الدين بها حاضرًا كقيمة أخلاقية ضمنية: الصدق، الشهامة، التضحية، مساعدة الضعيف، حيث لم يكن هناك تركيز مبالغ فيه على المظهر أو الأفكار الفقهية بل كان التدين يظهر في سلوك الشخصيات أكثر مما يظهر في خطابها، بمعنى آخر، كانت الأخلاق هي التعبير الدرامي عن الدين، لا الشعارات.
لكن منذ السبعينيات وما بعدها، ومع التحولات الإجتماعية والسياسية في المنطقة، بدأ الدين يدخل الدراما بطريقة مختلفة، فأصبح موضوعًا للنقاش المباشر ومع ظهور ما يمكن تسميته بالدراما الإجتماعية، وقع الإختيار إلى قضايا فقهية تضمن الطابع الجدلي في الأعمال الفنية مثل: الحجاب، التعدد، الميراث، صورة الشيخ الديني وهذه القضايا بطبيعتها درامية لأنها تثير الجدل، ومن حق الفن أن يسلط الضوء عنها لمناقشتها، لكنها في الوقت نفسه إذا تم تكرار الطرح لها يبدأ من هنا التحول الفني للمحور الديني من إطار الإيمان إلى الإختزال، لأن القضايا الجدلية تمثل جزءًا محدودًا جدًا من المنظومة الدينية.
مثال واضح على ذلك أن كثيرًا من الأعمال الدرامية جعلت شخصية “المتدين” مرتبطة بشكل نمطي محدد: إما متشدد يفرض رؤيته على الآخرين، أو شخصية مزدوجة تمارس التدين ظاهريًا وتتصرف عكسه في الخفاء، هذا النمط تكرر بدرجات مختلفة في عدد كبير من المسلسلات والأفلام، حتى أصبح لدى الجمهور تصور درامي شبه ثابت عن هذه الشخصية، والمشكلة هنا ليست في وجود هذه النماذج في الواقع، بل في تكرارها بوصفها النموذج الأكثر تمثيلًا للتدين.
وفي المقابل، نادرًا ما نجد أعمالًا تركز على القيم الأخلاقية التي تشكل جوهر الخطاب الديني: الأمانة في العمل، العدل في العلاقات، الرحمة في التعامل مع الآخرين، أو المسؤولية الإجتماعية، كل ما أتذكره من نسج شخصيات ترتدي الحجاب وإنسانة طبيعية تهتم بمظهرها وليست من طبقة فقيرة أو مغلوبة على أمرها ومقهوره وضعيفة، مثلاً تلك النماذج لم أجدها سوى تقريباً في ثلاث شخصيات لعبتهن: هيدي كرم في مسلسل سابع جار، هنا الزاهد في قصة بعنوان “قولي لأحمد” من مسلسل حلوة الدنيا سكر، و مي عزالدين في مسلسل رسايل.
لأنه بمنتهى البساطة الطرح لمثل هذة القيم عوضاً عن القضايا الجدلية أقل إثارة دراميًا، لكنها في الحقيقة أكثر حضورًا في الحياة اليومية، لذلك يتشكل لدى المشاهد تصور غير متوازن على أن الدين يبدو وكأنه مجموعة من القضايا المرتبطة بالجسد أو العلاقات، بينما يغيب بُعده الأخلاقي الواسع.
بالمناسبة هذه الظاهرة ليست حكرًا على العالم العربي، ففي السينما الغربية أيضًا نجد أمثلة مشابهة، حيث أن كثير من أفلام Hollywood التي تناولت الدين ركزت على الصراع بين المؤسسة الدينية والفرد، أو على شخصيات دينية متطرفة، لأنها تقدم مادة درامية قوية، لكن في المقابل ظهرت أيضًا أفلام حاولت تقديم الدين بوصفه تجربة إنسانية معقدة، مثل أفلام المخرج Martin Scorsese التي تعاملت مع الإيمان كصراع داخلي عميق، وليس مجرد شعار أو مظهر.
اتذكر “نور الشريف” وهو فنان بدرجة مثقف عندما كنت أشاهد لقاءاته التلفزيونية خاصةً تلك التي يتم سؤاله فيها عن شخصية “عمر المختار” التي قام بإتقانها وعن الدين في الفن بشكل عام، كان يلاحظ لديه رؤية واقعية وفنية جداً لهذا المحور، بالنسبة له، التمثيل الديني في السينما لا يجب أن يتحول إلى عرض مسرحي للقيم الظاهرية، بل يجب أن يظهر تأثير الدين على سلوك الشخصيات وضميرها الداخلي، حيث كان يشدد على أن السينما قادرة على توصيل الدين بطريقة إنسانية متوازنة، دون تبسيط أو تصويره بشكل جامد، لأن المشاهد، خاصةً في مصر، يتأثر بما يراه على الشاشة أكثر مما يتأثر بالكلمات النظرية أو النصوص الدينية المجردة.
من هنا يمكن فهم المسألة بشكل أوسع: الفن لا يعكس الدين فقط، بل يصنع صورته الثقافية لدى الجمهور، لذا عندما يكرر الفن التركيز على قضايا معينة ويهمل غيرها، فإنه يعيد رسم خريطة الأولويات في ذهن المشاهد، ومن ثم بمرور الوقت، قد يظن الجمهور أن هذه القضايا هي جوهر الدين نفسه، بينما هي في الحقيقة جزء صغير من منظومة أعمق بكثير!
ولهذا أرى أن التحدي الحقيقي أمام الفن ليس أن يتجنب الدين أو يهاجمه أو يدافع عنه، بل أن يتعامل معه بقدر أكبر من العمق والصدق، لأن الدين في الواقع أكثر اتساعًا وثراءً مما تقدمه كثير من الأعمال الفنية، وعندما يختزل الفن هذه المساحة الواسعة في بضعة رموز وصراعات متكررة، فإنه لا يسيء إلى الدين فقط، بل يضيّع أيضًا فرصة فنية كبيرة لتقديم حكايات إنسانية أعمق وأكثر صدقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock