
جلست في عيادة طبيب الأسنان، ورأيت رجلاً يعاني بصمت.
ضرس متآكل منذ سنوات، ألم يومي يلتصق به كظل لا يفارقه، ورغم ذلك يرفض خلعه. يحاول الطبيب إصلاحه، حشوه، إطالة عمره، بينما يتمسك المريض به وكأنه جزء من كيانه، وكأن التخلي عنه يعني خسارة شيء لا يُعوَّض.
كل يوم يمر يترك أثره العميق عليه من صعوبة في الأكل، نوم متقطع، مزاج متقلب، وقلق لا يهدأ. ينفق وقتًا ومالًا وجهدًا للحفاظ على ضرس يسرق منه راحته لحظة بلحظة، غير مدرك أن التخلي عنه قد يكون أول طريق للشفاء.
الحياة كثيرًا ما تشبه هذا الضرس.
نتمسك بأمور ترهقنا وتأخذ طاقتنا، وبأشخاص يملأون حياتنا بالقلق والتوتر ويستنزفون راحتنا، نتمسك بهم خوفًا من الوحدة أو فقدانهم، رغم أنهم يثقلون كاهلنا ويأخذون جزءًا من سعادتنا.
ونتمسك بأفكار أو عادات نعرف في أعماقنا أنها لم تعد لنا، ومع ذلك نصرّ عليها لأننا اعتدنا الألم، ولأن المجهول يخيفنا أكثر من الوجع.
لكن الحقيقة الأهدأ تقول شيئًا آخر، وهو أن الله لا يفرغ يدًا إلا ليملأها، ولا ينزع شيئًا إلا ليعوّض خيرًا، ولا يفتح وجعًا إلا ليقود إلى شفاء.
التمسك بما يؤلمنا قد يبدو صبرًا، لكنه أحيانًا تأجيل للراحة التي كُتبت لنا.
عندما نترك ما يرهق أرواحنا، نحن لا نخسر، نحن نُسلِّم.
نسلّم الألم لمن بيده الرحمة، ونفتح قلوبنا لحياة أخف، أقرب للسلام، وأكثر انسجامًا معنا.
خلف التخلي سكينة، وخلف القرار الطيب عناية خفية لا نراها إلا بعد أن نطمئن.
تخلَّ عمّا يؤلمك، واترك لله مساحة ليمنحك حياة أهدأ…
فما كُتب لك سيأتيك أخفّ وأجمل، وفي وقته الصحيح.



