عربي وعالمي

الخليج ومصر بين حسابات السياسة وحدود القوة

كتب /أيمن بحر

تشهد الساحة الإقليمية حالة من التوتر المتصاعد انعكست بوضوح على الخطاب الإعلامى فى بعض دول الخليج تجاه مصر حيث تصاعدت نبرة الانتقاد بشكل لافت مدفوعة بتساؤلات حول الموقف المصرى من التصعيد الجارى فى المنطقة خاصة فى ظل المواجهة غير المباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
غير أن قراءة المشهد من زاوية أعمق تكشف أن المسألة تتجاوز ردود الفعل اللحظية لتصل إلى تعقيدات استراتيجية ترتبط بتوازنات القوة ومصالح الدول وحدود أدوارها فى صراع متعدد الأطراف
فمصر التى تمتلك واحدة من أكبر القوى العسكرية فى المنطقة لم تنخرط فى صراعات إقليمية مباشرة إلا فى إطار حماية أمنها القومى وهو ما يفسر موقفها الحذر من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة لا تمس حدودها بشكل مباشر خاصة فى ظل غياب تهديد إيرانى مباشر لدول الخليج على مستوى الاستهداف الشعبى أو البنية الداخلية.
فى المقابل تبرز إشكالية القواعد العسكرية الأجنبية فى المنطقة والتى ينظر إليها قطاع واسع من الرأى العام العربي باعتبارها أحد أبرز أدوات النفوذ الخارجى حيث استخدمت فى عمليات عسكرية امتدت آثارها إلى دول عربية عدة وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذى تلعبه هذه القواعد وحدود ارتباطها بالأمن الإقليمى الحقيقى.
وعلى مدار سنوات سعت القاهرة إلى الدفع نحو تفعيل منظومة العمل العربى المشترك عبر دعوات متكررة لبناء قوة دفاع عربية موحدة وتطوير الصناعات العسكرية المحلية بما يعزز الاستقلال الاستراتيجى للدول العربية غير أن هذه المبادرات لم تجد إجماعاً كافياً فى ظل تباين الرؤى والمصالح بين العواصم العربية.
كما أن المشهد الإقليمى شهد خلال السنوات الماضية تداخلات معقدة فى ملفات عدة من السودان إلى سوريا واليمن وصولاً إلى أزمة سد النهضة وهو ما ساهم فى خلق حالة من انعدام الثقة وتضارب المصالح بين بعض الدول العربية وألقى بظلاله على طبيعة العلاقات البينية
وفي خضم هذه التحديات تبرز مخاوف من أن يؤدى التصعيد الحالي إلى دفع المنطقة نحو صراع أوسع قد يتخذ طابعاً عقائدياً وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على استقرار الشرق الأوسط ويفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم قوى خارجية على حساب دول المنطقة.
ورغم امتلاك الدول العربية لإمكانات اقتصادية وبشرية وعسكرية هائلة فإن غياب التنسيق الفعال يحول دون توظيف هذه القدرات بشكل جماعي قادر على فرض معادلة توازن جديدة فى النظام الدولى.
وتبقى اللحظة الراهنة اختباراً حقيقياً لقدرة الدول العربية على إعادة تعريف أولوياتها وبناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة بعيداً عن الاستقطابات الحادة إذ إن مستقبل المنطقة سيتحدد بمدى قدرتها على الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل الاستراتيجى القائم على التكامل.
إن الطريق نحو الاستقرار لا يمر عبر المواجهات المفتوحة بل عبر بناء قوة عربية متماسكة اقتصادياً وعسكرياً قادرة على حماية مصالحها وصياغة دورها في عالم يشهد تحولات متسارعة
حفظ الله مصر وجيشها وشعبها وقيادتها

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock