
قراءة سياسية دينية
حين يطرح ملف المسيخ الدجّال، يتجدّد الموروث التاريخي بكل ثقله، كلّ وفق معتقده. مع تسلّيط الضوء على البنية الفكرية التي شكّلت صورته، وكيف تسلّلت إلى العقول حتى غدت يقينا عند البعض، وتأويلا عند آخرين.
فكيف يفكّر الأعراب في تصوّرهم الإسلامي الموروث عن هذه الشخصية؟ يتجسّد الدجّال ككائن أسطوري ضخم مقيّد بالسلاسل في جزيرة على البحر، محاطا بعلامات حسيّة صارخة كالجسّاسة، وبين عينيه مكتوب “كافر”، ينتظر موعد الغضبة الكبرى كي يفكّ قيده ويخرج.
من لم يدرس ويبحث ويتفقّه في الدين، سيكتفي بمثل هذا التصوّر الذي يعكس عقلا يميل إلى التجسيد دون ملامسة حقيقية للغيب، وإلباسه صورة مادية قابلة للتخيّل، فيطمئن إلى ما يراه، ويؤجّل مساءلة ما وراءه، وكأنّه يقول إن الدجّال وحش مقيّد سيخرج في آخر الزمان ويكون ساحرا كذّابا.
عبر هذا الامتداد، تتباين زوايا النظر؛ فتتشكّل لدى اليهود قراءة تقدّم هذا الكيان في صورة تتضمّن التمكين، فيُرى كقوة قادرة على إعادة ترتيب الواقع وفق رغباتهم، وتكتسب أفعاله صفة الخارق الذي يتجاوز المألوف.
هذا النمط من التفكير يكشف عن قابلية عميقة لمنحه لقب النبوة ذاتها حين تقترن بالمكاسب وتفتح أبواب المنفعة. رغم أنهم لم يؤمنوا بكلّ الأنبياء السابقين، فإن هذا الكائن سيتّخذونه نبيّا لهم.
كما قال عيسى المسيح الحقّ:
“ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضلّون كثيرين” (متى).
“احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة” (متى).
وقد حذّر محمد الرسول من ظهور مدّعين يحملون خطاب النبوة بخلاف حقيقتها:
“لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تُعبد الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي.”
لماذا؟ لأنه يتبع أهواء اليهود، فيعيد تأويل الأحكام بما يوافق رغباتهم، فيحلّل ما حرّم عليهم. أما ما يأتي به من سحر، فيعتبرونه خوارق وقدرة واصطفاء.
هنا تتجلّى صورة الفطرة داخل منظومة فكرية مقلوبة رأسا على عقب لدى اليهود؛ فيرون الكذّاب نبيّا، حيث يعتبرون الإله غير موجود، والحقّ باطلا والباطل حقّا.
وقد أشير إلى هذا التحوّل في آخر الزمان، حيث تنقلب المعايير تحت ضغط الواقع والمصالح. لماذا؟ لأن غالبية الناس في آخر الزمان يكونون من نسل يهوذا، فيصدّقون الكاذب ويكذّبون الصادق، وتنتشر فاحشة الشذوذ وزنى المحارم وشرب الخمر، والمعازف، لأن الإنسان العادي سيتزاوج من سلالة اليهود المنبوذة من السماء، كونهم ذريّة قابيل قاتل هابيل، فالناس في آخر الزمان الأغلبية الساحقة تجري في عروقهم دماء يهودية، لذلك تنقلب الفطرة عند الإنسان العادي، وتقوم على الانفلات الأخلاقي، وتراجع الحياء، وتنامي الازدواجية فتصبح معتقدات نفاق وتعاليم منحلّة متّبعة.
كما قال الرسول:
فإن أمام الدجّال سنون خدّاعات، يُكذَّب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب، ويُخوّن فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلّم فيها الرويبضة.
سلالة اليهود ستقدّم للدجّال رقابها وطاعة مطلقة، وتمنحه ولاء يفوق ما منح للأنبياء من قبل؛ فقد قتلوهم جميعا، لكن ما جاء به هو أشطن وأخبث وأنحس وأنذل وأقبح وأكذب مما في صدورهم، فخضعوا له.
وفي المقابل، تنجذب فئات أخرى إلى هذا الشخص. مثلا لنرى البنية الفكرية بالنسبة للمسيحيين وباقي الديانات تجاه هذه الشخصية، لماذا سيتبعونه؟
هؤلاء لديهم إغراءات ماديّة وملذّات وحريّات يرغبون في أن يحقّقها لهم في اللحظة ذاتها، فهم يؤمنون بالملموس لا المحسوس، ويقايضون القيم بما يعرض أمامهم من متع وسلطان.
فهل سيوفّر لهم ما يتطلّعون إليه؟
الجواب لا. الدجّال مهما بلغ تأثيره، يبقى عاجزا كليا. وقد بيّن محمد الرسول أن النفع والضرّ بيد الله وحده. وعليه، فإن هذا المسيخ، مهما أحاط نفسه بصور القوة، كيف ينفعهم أو يضرّهم وهو لا يملك من الأمر شيئا؟ سيستمدّ ذلك من اندفاع أتباعه نحوه، فيمنحوه ما ينتظرونه منه.
أما كيف ترى باقي الأمم كالشياطين والجنّ هذه الشخصية؟
هذه الأمم ترى ما لا يراه الإنس، إذ تراه كأداة إغواء تقوم على تضليل الإنسان واستثمار قابليته للانخداع. في هذا الإطار، تتحقّق علاقة منفعة متبادلة؛ الجنّ الكافر والشياطين حينها سيأكلون البقايا والفتات كما تقتات الطيور الجارحة على بقايا الضباع.
فما هي المفاجأة الكبرى التي ستحدث؟ هل سيخرج هذا الشخص فعلا؟ وهل سيوفّر لهم ما يتمنّونه؟ أم أن هذا الأمر كلّه مجهول مطلق؟
الحقيقة الصادمة وهي: يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
لن يخرج لهم كما يتوهّمون، ولن يحدث ما يرجون حدوثه أبدا. سيقال إن هذا يخالف ظاهر الأحاديث، غير أن القراءة الأعمق تكشف بعدا آخر؛ تلك الأخيرة كانت عبارة عن تمويه واستدراج.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ.
المشهد يشبه وعدا بقدوم ضيف تعدّ له الموائد وتحشد له الاستعدادات، وتربط به الآمال، ثم تمرّ الساعة تلو الأخرى دون أن يظهر.
تتحدث الروايات عن خروج، وعن أحداث جسام، غير أن زاوية النظر تفتح احتمالا آخر؛ فماذا لو أنّ الله دفع الأمم إلى استنزاف قواها، وإنفاق ثرواتها، وتشييد مشاريعها على وهم مُنتظر، ينفقونها ثم تكون عليهم حسرات؟
في هذا السياق، يظهر الإمام كما ورد في الأحاديث، فيقود مسار فتح الدول، حتى يبلغ تخوم القسطنطينية.هناك، يتحقق الفتح بتكبير يهزّ البنية قبل الأسوار، فتسقط دون قتال تقليدي.
وفي ذروة هذا الفتح، يتردّد الخبر: إن الدجّال قد خرج فيكم. غير أن النداء الأول يحمل طابع الخداع، إذ تمرّ اللحظة دون أن يخرج الدجّال.
كما روى عن النبي قال:سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها -قال ثور -لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون، فيكتشفون أن الخبر كاذب.
فإذا بالإمام قد فتح كل دول الجزيرة العربية، ومرّ على العراق وسوريا وحرّرهما وصولا إلى القسطنطينية القريبة من فلسطين، ولم يخرج الدجّال بعد.
وبعد أن يظفر بالنصر المبين، تأتي اللحظة الفاصلة، عند القدس، حيث يصلّي الإمام صلاة الشكر في الأقصى، الذي لم يهدّم ولن يهدّم مطلقا، ولن يبنى مكانه هيكل الدجّال وتكون فلسطين قد حرّرها أيضا مع جنوده، واليهود تشتّتوا وهربوا لأنه قد قضى عليهم هناك، كما فعل أيضا بأمريكا – الراعي الرسمي لحكومة الدجّال – قد انتهت، وكذلك بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والكوريتان وحلف الناتو والصين، وكل الدول مثل الإمارات والسعودية ومصر التي كانت تموّل اللوبي الصهيوني وتدعمه…
بعد هلاك وهزيمة الجميع، عندها يخرج الدجّال كجسد عار من خراسان، متزامنا مع نزول عيسى بن مريم، لتُحسم المواجهة في زمن خاطف، عند باب لُدّ، حيث لن يبقى أربعون دقيقة على الأرض، هو وكلّ عبدة الدجّال.
،؛، الذين علّقوا وجودهم على هذا الكيان، وينتظرون خروجه لن يروه. كانوا قد استهلكوا، واستُدرجوا إلى نهاياتهم وهم يطاردون ميّتا وسيهلكون جميعا مع سلالتهم التي انتشرت بين الشعوب وغيّرت الفطرة السليمة، وقلبت كل الموازين، فنهايتها حتما ستكون وخيمة. كل تلك القرابين التي قدّموها، وكل هذا الدمار الذي أحدثوه، يذهب هباء منثورا، ولن ينفعهم في شيء. الله فوق الجميع، وسيدمّر كل ما صنعوه على يد من هو أقوى من دجّالهم وأتباعه والجميع. ،؛،
إن الروايات التي تتحدث عن الغزو المتتابع — جزيرة العرب، فارس، ثم الروم — تفتح مسارا آخر للفهم؛
عن نافع بن عتبة رضي الله عنه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة… قال: «تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله، ثم فارس، فيفتحها الله، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال، فيفتحه الله».رواه مسلم.
يقول: «تغزون جزيرة العرب»، وكل دول جزيرة العرب نعرفها، وفيها اليهود. ويقول في الحديث: «ثم فارس، فيفتحها الله»، أي إن أرض فارس ستكون ما تزال موجودة، ولم تمح من فوق الأرض. وقال أيضا: «ثم تغزون الدجّال، فيفتحه الله»، وهذه تبيّن أنّ من بين الغزوات التي سيخوضها الإمام على الأرض هي غزوة بلاد الدجّال أمريكا، وهذا معناه أنه يغلبها؛ أي أن الدجّال لن يخرج أبدا، لأن الإمام يكون قد خرج وحرّر كل العالم. فهذا الكائن الذي يرتعبون منه لا شيء أمام الإمام. وبالتالي، من أين جاء الإمام؟ جاء من مغرب الأرض.
إن النفع والضرّ محكومان بإرادة إلهية عليا، وإن تلاقي الأمم، مهما بلغ من شدته، يبقى ضمن قدر مكتوب، تتحرك فيه الأحداث بميزان ربّاني دقيق وشديد الحساسية.
“واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ جفّت الأقلام، ورُفعت الصحف”.
في النهاية، يتبيّن أن قضية انتظار كائن الدجّال اختبار وعي؛
فالدعاء يغيّر القدر، إن كان قويا فيقدّر للدجّال ألا يخرج.
“لا يزيد في العمر إلا البرّ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء، وإنّ الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه”.
الدجّال شخصية ضعيفة وجبانة، كيان مهتزّ يقوم على الاتكاء في كلّ شيء على أتباعه ليؤسس نفوذا تغذّي وهم القوة. لا يجرؤ على المواجهة المباشرة، ويختبئ خلف من يصنعون له الهيبة، حتى إذا تهاوت سلطته وأعوانه وانكشفت هشاشته، تنفجر داخله حالة اضطراب، وتسيطر عليه نوبة غضب تقوده إلى الخروج وإلى نهايته المحتومة. أمّا أتباعه، فهم أشخاص تافهون وفاشلون، نفوس تتكئ عليه كما يتكئ عليها، ليكون مصير الجميع الهلاك على يد صاحب الحقّ، حسن الخلق، المتوكّل على ربّه.
الحرب التي سيخوضها الإمام يختلط فيها الحابل بالنابل، وسيموت فيها الملايين؛ لأن تسعين بالمئة ممن على الأرض باتوا يهودا. فإذا كان النبي محمد – أفضل خلق الله – قد استغرق منه سنوات لغزو بعض الدول وفتحها، فكم سيستغرق ذلك من الإمام وهو يغزو دول جزيرة العرب وفارس والروم والدجّال وحلف الناتو وروسيا والصين وو… وتتزوّد جيوشه بالمؤن، وتلملم جراحها، وتقطع سهولا وجبالا وبحارا وأنهارا… حتى يسيطر على دول العالم، كما في الأحاديث النبوية؟



