
الدراما المصرية .. تلك المرآة التي تعكس نبض الحياة ، والسفيرة الصامتة للقيم والهويات عبر الحدود .. تحمل تأثيرا نائما دون صوت أسلحة أو ضجيج حروب ، وبها تتحول القصص والحكايات لرموز خالدة.
برزت الدراما المصرية في الموسم الرمضاني الحالي كمثال حي على ديناميكية القوة الناعمة في العديد من المسلسلات التي عكست في أغلبها الواقع المصري ، منها ما يركز على قضايا الأرض والمجتمع، وأخرى تعزز الوعي الوطني والفخر بالإنجازات الأمنية ،بالإضافة للكوميديا والدراما الشعبية التي تنقل هموم المواطن العادي وسمات حياته اليومية ، لم تقتصر تلك الأعمال الفنية على الترفيه بل عكست قيما مصرية أصيلة ومعاصرة.
ويمكن على سبيل المثال لا الحصر أن نجمل بعضا منها هنا ، فقد لعب مسلسل “أصحاب الأرض” دورا وطنيًا بارزًا لمصر من خلال تعزيز الرسالة الداعمة للقضية الفلسطينية من خلال عرض الحقائق والسرديات الإنسانية العميقة التي تنقل معاناة أهل غزة وصمودهم بالرغم من كل الأصوات التي كانت تريد توصيل عكس ذلك، وحظى المسلسل بإشادات واسعة باعتباره نموذجا للدراما المصرية الواعية التي تدافع عن الهوية والأرض.
ومسلسل “رأس الأفعى” الذي يوثق مرحلة فارقة في تاريخ مصر الحديث، إذ يجسد الجهود الأمنية في حماية الجبهة الداخلية وصون الدولة من الإرهاب والتطرف.
كما شهدت الدراما الرمضانية المصرية لهذا العام نوعًا ملحوظًا في المسلسلات الاجتماعية والكوميدية، سواء بتناول الأفكار الخفيفة و الأمور الحياتية الطريفة أو تسليط الضوء على قضايا حساسة مثل الفقر، والبطالة، والعنف الأسري، وقضايا المرأة والشباب، كثير من الأعمال الدرامية نجحت في فتح نقاشات عامة حول موضوعات كانت تُعتبر “تابوهات” اجتماعية، فكسرت حاجز الصمت ودفعت نحو مراجعة بعض المفاهيم السائدة.
نجحت الدراما الرمضانية في جذب الملايين من المشاهدين بالداخل والخارج ، وبالتالي أصبحت تلك المسلسلات بمثابة منصة لتصدير مكونات الثقافة المصرية مما يجعلها أداة دبلوماسية غير رسمية لترسيخ العديد من المبادئ الوطنية وبناء صور ذهنية طويلة الأمد وممتدة المفعول ، ولذلك أصبحت الدراما واجهة حضارية تعكس ثقافة الشعوب وتاريخها وأسلوب حياتها ،فمن خلالها يمكن تمرير أفكار وقيم ورسائل قد تعجز الخطب السياسية أو الحملات الإعلامية المباشرة عن إيصالها بالفاعلية ذاتها.
الدراما بطبيعتها فن الحكاية، والحكاية كانت دائمًا الوسيلة الأقدم لتشكيل الوعي الجمعي. حين يشاهد الناس قصة تُشبههم، أو تُلامس واقعهم، أو تطرح قضاياهم بلغة فنية جذابة، فإنهم يتفاعلون معها عاطفيًا قبل تحليلها عقلانيًا. وهنا تكمن قوة الدراما: التأثير الهادئ غير المباشر الذي يتسلل إلى الوجدان ويعيد تشكيل المواقف والسلوكيات.
تجارب دول عديدة تؤكد أن الدراما يمكن أن تكون سفيرًا غير رسمي لاعتمادهاعلى الجاذبية الثقافية للتأثير دون إكراه، فالمشاهد الأجنبي حين يتابع عملاً دراميًا متقنًا، يتعرّف ضمنيًا على ملامح المجتمع وقيمه وتقاليده، غير أن هذه القوة ليست بلا مسؤولية، فكما تستطيع الدراما أن تبني وعيًا، يمكنها أيضًا أن تكرّس صورًا نمطية أو تعمّق انقسامات إذا غابت المهنية أو طغت الإثارة على المضمون، أو المبالغة في تصوير العنف و تقديم نماذج سلبية بوصفها بطولية قد يترك أثرًا معاكسًا لما يُراد، لذلك تبرز أهمية التوازن بين حرية الإبداع والوعي بتأثير الرسالة ، مع العمل على تعزيز قوة مصر الناعمة عبر ترجمة بعض المسلسلات المختارة إلى لغات أخرى.
هذا بخلاف التحدي الأكبرالذي يتمثل في منصات البث الحديثة التي وسّعت دائرة الانتشار، وجعلت المنافسة أكثر حدة و بمعايير عالمية من حيث الجودة والإنتاج والطرح الفكري، وهذا يفرض على صُنّاع الدراما الاستثمار في النص الجيد، والبحث العميق، والتدريب الاحترافي.
في المحصلة، الدراما ليست ترفًا ثقافيًا، بل رافعة حضارية وأداة تأثير ناعمة تتجاوز الشاشة. إنها فرصة لصناعة وعي أكثر نضجا وعلى المبدعين تحويلها إلى طاقة بناء تعزز تماسك المجتمع وتدفعه نحو آفاق أوسع.



