
ليس من المبالغة أن أقول إنني أقف حائرًا أمام واقع التعليم العربي، ذلك الواقع الذي يبتلع من أعمار أبنائنا ما يزيد عن ثمانية عشر عامًا، ثم يلفظهم إلى الحياة وهم مجردون من أبسط أدواتها. سنوات طويلة تُستهلك في الحفظ والتلقين، في حين أن حصيلتها الفعلية لا تكاد تُذكر، وكأننا أمام منظومة صُممت لتضييع الوقت لا لبناء الإنسان.
أرى بأم عيني كيف يُقضِي الطالب سنوات عمره متنقلًا بين مراحل التعليم المختلفة، يكدّ ذهنه في تحصيل معلومات سرعان ما تتبخر بعد انتهاء الامتحان. وفي زمنٍ أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، يمكن تحصيلها في أشهر معدودة، لا في عقود من الزمن، يظل التعليم العربي أسيرًا لأساليب عفا عليها الزمن، عاجزًا عن مواكبة الثورة العلمية والتكنولوجية.
المشكلة لا تكمن فقط في طول المدة، بل في طبيعة ما يُقدَّم خلالها. فالتعليم لا يصنع إنسانًا متكاملًا، بل يخرج أفرادًا محدودي التفكير، ضعفاء الاستقلال، عاجزين عن اتخاذ القرار. لا يُعنى ببناء النفس، ولا بتقوية الشخصية، ولا بإعداد الإنسان لمواجهة تحديات الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية. هو تعليم يُخرِّج حافظين لا مفكرين، تابعين لا قادة.
وأتساءل: كيف لخريج قضى كل هذه السنوات في التعلم أن يعجز عن كسب رزقه؟ كيف لا يستطيع اتخاذ قرار بسيط في حياته؟ كيف يصبح عبئًا على أسرته بدل أن يكون سندًا لها؟ إن الخلل هنا ليس في الأفراد، بل في منظومة أفرغت التعليم من جوهره الحقيقي.
لقد ساهم هذا النمط من التعليم في إطالة أمد الطفولة الفكرية، فأصبحنا نرى شبابًا في الثلاثين من أعمارهم لا يزالون يعتمدون على غيرهم في أبسط شؤون حياتهم. ضعف في الشخصية، تردد في القرار، وهشاشة نفسية واضحة؛ كلها نتائج طبيعية لتعليم لم يُصمم لبناء الإنسان، بل لتخريج نسخ متشابهة لا تملك الجرأة على التفكير خارج الصندوق.
إن التعليم الحقيقي ليس مجرد معلومات تُحشى في العقول، بل هو بناء متكامل للشخصية؛ تعليم يزرع الثقة، ويصقل المهارات، ويُنمّي القدرة على التفكير النقدي، ويُعدّ الإنسان ليكون فاعلًا في مجتمعه. التعليم الناجح هو الذي يخلق جيلًا قادرًا على الإبداع قبل سن الخامسة عشرة، جيلًا يمتلك أدوات الحياة لا مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران.
ما نحتاجه اليوم ليس ترقيعًا لمنظومة تعليمية متداعية، بل إعادة صياغة شاملة تعيد تعريف معنى التعليم ذاته. نحتاج إلى تقليل الفجوة بين التعلم والحياة، إلى ربط المعرفة بالواقع، إلى تحويل الطالب من متلقٍ سلبي إلى فاعل مؤثر. نحتاج إلى تعليم يُخرِّج رجالًا ونساءً قادرين على تحمل المسؤولية، لا أطفالًا في أجساد بالغة.
إن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من إهدار الأعمار، ومزيدًا من العجز، ومزيدًا من التبعية. أما التغيير الحقيقي، فهو وحده الكفيل بأن يعيد للتعليم قيمته، وللإنسان كرامته، وللمجتمع قوته.



