
لقد شغل بعض الناس بطلب الرزق وبالغ البعض في بذل الأسباب المشروعة وغير المشروعة، وتشاغلوا عما خلقوا من أجله، وقال جلّ في علاه ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” وعبادة الله قد تكون في طلب الرزق شريطة أن تكون الأسباب مشروعة والوسائل مباحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم ” اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت” رواه مسلم، وقد ” تكفّل الحق سبحانه للإنسان برزقه، و جعل للرزق أسبابا وكل ما على الإنسان هو أن يأخذ بهذه الأسباب ثم لا يشغل باله هما في موضوعه، ولا يظن أن سّعيه هو مصدر الرزق، لأن السعي سبب، والرزق من الله، وما على الإنسان إلا أن يتحرى الأسباب، فإن أبطأ رزقه فاليرح نفسه لأنه لا يعرف عنوانه، أما الرزق فيعرف عنوان الإنسان وسوف يأتيه يطرق عليه الباب” وقال تعالى في سورة الذاريات.
” وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ” ولما سع أعرابي هذه الآية صاح بأعلى صوته وقال “يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف” واعلموا أن السيرة النبوية بأحداثها وغزواتها تظهر بوضوح أن رحمته صلى الله عليه وسلم لم تكن رحمة متكلفة، تحدث في بعض المواقف وتتخلف في أخرى، إنما كانت رحمة فطرية، فطره الله عليها، واتصف بها، وتعامل بها في جميع أحواله ومواقفه، حتى مع أعدائه، فكم حرمنا أنفسنا من أبواب الخير العظيمة يوم انكفأنا على ذواتنا، ولم نلتفت إلى المنكوبين والمحتاجين والمعسرين، أنك لا تكاد تجد حيا من أحيائنا يخلو من معسر بنار الديون يتلفع، أو مكروب بسيط المدلهمات يتوجع، أومن مصاب بلهيب الأسقام يتروع، ومع هذا قليل هم أولئك الذين أسعدهم الله عز وجل بقضاء حاجات العباد.
وإغاثة ملهوفهم، والإحسان إلى ضعيفهم، فما أغلاها من فرصة، وما أعلاها من درجة، وما أسعده من اصطفاه الله لمنفعة الناس ببشارة نبيه محمد الكريم صلى الله عليه وسلم يوم قال ” من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” وما أهنأهم من بين أهل المواقف، وما أربح سعيهم في ذلك اليوم، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من سره أن يظله الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه ” وما أروع الحسن البصري رحمه الله، يوم أن قال ” لأن أقضي حاجة لأخي أحب إلي من عبادة سنة ” وقال جعفر الصادق رحمه الله ” إن الله خلق خلقا من رحمته برحمته.
وهم الذين يقضون حوائج الناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن” وإياكم والسرقة فإن السرقة جرمها عظيم، وإن هناك شروط وجوب حد السرقة، وهي أن يكون السارق مكلفا وهو البالغ العاقل، مختارا، مسلما كان أو ذميا، وأن يكون هذا الأخذ على الاختفاء والاستتار، وأن يكون المال في حرز وهو يخرجه، وكذلك انتفاء الشبهة، وأن يكون مالا محترما، فلا حد على من يسرق خمر أو أشياء محرمة، وأن يكون السارق مختارا، فلا قطع على المكره لأنه معذور، وأن يبلغ النصاب، وهو ربع دينار ذهبا فأكثر، وأن يكون عالما بالتحريم، فلا قطع على جاهل بتحريم السرقة، وأن يأخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع كالاغتصاب والإختلاس والنهب والغش ونحوها، وإنما فيها التعزير، فإذا تحققت هذه الشروط تكون السرقة موجبه للحد، فيا أيها السارق.
أتعرض نفسك لا قدر الله أن توصف بوصف جاء منه الكفر والنفاق، ألا وهو وصف الكذب؟ هل رأيتم سارقا صادقا؟ السارق كاذب، ونتيجة الكذب رسمها النبي صلى الله عليه وسلم وبيّنها لنا بقوله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح الإمام مسلم ” وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحري الكذب حتي يكتب عن الله كذابا” فيا أيها السارق، أتعرض إيمانك للضياع من أجل جنيهات بسيطة، والدنيا كلها بما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” ولا يسرق السارق حين يسرق و
هو مؤمن” .



