
إعلموا أن في المحنة منحة، وفي النقمة نعمة وفيها تقوية للمؤمن وتدريب له على الصبر، وأن الرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنى وأمنا، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا إمتلأ قلبه بضد ذلك وإشتغل عما فيه سعادته وفلاحه، وأن بالأمن والاستقرار تعمر الأرض، ويقام فيها دين الله تعالى، لأن الفتنة هى التي تسبب الخوف والإضطراب، وتسلب الأمن والإستقرار، وتحول بين الناس وبين العبادة، وتمكن للكفر وأهله في الأرض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدافعة المنكرات بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل ما يؤدي إلى الفوضى والإضطراب فيجب اجتنابه، وردع من يسعى إليه حفاظا على الأمن والإستقرار، فإن الأمن والإستقرار والطمأنينة من المطالب الأساسية التي لا تخفى أهميتها على كل المستويات الفردية والأسرية والإقليمية والدولية.
لهذا لا يخلون بلد على مستوى الدنيا كلها من مراكز للدراسات الأمنية، بل التكتلات الحلفية مظهر يعرب عن البحث لتوفير الأمن والإستقرار لأصحابه، بينما تحقيق هذه المعاني منوط أولا بصدق الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق به من أركان وشروط وقيود وضوابط، وهو أن الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وعلى هذا يكون الإيمان الصحيح هو إعتقاد بالجنان، ونطق باللسان وعمل بالأركان” وبهذه المعاني يملأ الإيمان قلب صاحبه بالأمن والإستقرار والطمأنينة والثبات والشجاعة والصدق والأمانة، ولقد ظهرت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين آثار الإيمان وثماره واضحة في أروع صورها حيث أعطوا وبذلوا النفس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين فالمهاجرون هم الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، وإخوانهم الأنصار، أهل المواساة والإيثار التقوا جميعا على الحب في الله عز وجل.
والله تعالى علم صدق إيمانهم، فأكرمهم في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تسبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحُد ذهبا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه” وذلك ثمرة لإيمانهم بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت على ذلك من وجوه، منها شهادة الله سبحانه لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالعدالة، وكفى بالله شهيدا، وكما دلت على أن الله تعالى وعد جميع الصحابة بالمغفرة والجنة، ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، فقال تعالى في سورة الحديد ” وكلا وعد الله الحسنى” وقال تعالى في سورة آل عمران ” فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء” وإن من وسائل تحقيق الأمن والإستقرار هو طاعة ولي الأمر، والسمع والطاعة لمن ولاه الله تعالى الأمر في المعروف، فذلك من أسباب إستجلاب الأمن وتوطيده، وكما ذكرت كتب الفقه الإسلامي الكثير عن السمع والطاعة لولاة الأمور، حيث قال الحافظ بن رجب رحمه الله.
” وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنظيم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم” وبالسمع والطاعة وإجتماع الكلمة يعم الأمن والإستقرار، ويتوحد الصف في ربوع الدولة الإسلامية، وتظهر الأمة المسلمة بمظهر الهيبة والقوة والرهبة أمام الأعداء، وقد قال ابن المبارك رحمه الله “الله يدفع بالسلطان معضلة عن ديننا رحمة منه ورضوانا” وإن من الأسس التي يقوم عليها الأمن والإستقرار وتواجه بها الدعوات الهدامة هو الإصلاح بين الأحزاب والجماعات وبين الأسر والعائلات ولأهمية الصلح والإصلاح ذكره الله تعالى في كتابه أكثر من مائة وثمانين مرة في القرآن الكريم وفي ذلك دلالة على أهميته لإستقامة الحياة بالتعاون والتآلف والمودة والوفاء، والإصلاح بين المسلمين واجب شرعي وضرورة إجتماعية ومطلب حضاري، ولذلك حث الله تعالى في محكم تنزيله، ووجه اليه الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا أتباعه إلى التصالح وبلورة ثقافة المصالحة بين المسلمين.
فهذه الثقافة من شأنها ان تدعم البناء الإجتماعي وتحفظ تماسكه وتقيه مخاطر التصدع والإنهيار، وفي نصائح وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت أحاديث كثيرة في فضائل الصلح بين الناس، وأن السعي بالصلح بين الناس من افضل العبادات وأحسن القربات التي يتقرب بها الإنسان المسلم إلى الله عز وجل، لذلك خص الله المصلحين بجميل الثناء ووعدهم كريم الجزاء، وأي جزاء وأغلى من جنة الرضوان.



