مقالات وآراء

الزمن ، الكائن الذي يتسرب

طارق غريب يكتب 

 

 

الزمن ليس شيئاً نملكه، بل شيء يحدث لنا. لا نحمله في جيوبنا ولا نعلقه على الجدران، ومع ذلك نشعر بثقله في كل ما نفعله. نحن لا نعيش في الزمن كما نعيش في مكان، بل نتكون منه ثم نفقده في اللحظة نفسها. كل خطوة نخطوها ليست حركة في الفراغ، بل عبور صغير في شيء لا يتوقف عن العبور بنا.

الإنسان هو الكائن الذي يعرف أن وقته محدود، ومع ذلك يتصرف كأنه لا يصدق هذه المعرفة تماماً. نؤجل، نخطط، نعد أنفسنا بحيوات قادمة داخل الحياة الواحدة، وكأن الزمن مساحة إضافية يمكن توسيعها بالإرادة. لكن كل تجربة، مهما بدت طويلة، تنتهي أسرع مما نتصور حين ننظر إليها من الخلف. كأن الزمن يملك حيلة قاسية : يجعلنا نشعر ببطئه ونحن ننتظر، وبسرعته ونحن نتذكر.

الماضي لا يسكن وراءنا كما نتخيل، بل يسكن فينا. نحن نمشي محملين بصور، بأصوات، بوجوه غابت، بلحظات كان يمكن أن تسير على نحو آخر. الذاكرة ليست أرشيفاً محايداً، بل قوة تعيد تشكيل الحاضر كل يوم. ما نتذكره لا يبقى كما كان، بل يتغيّر معنا، يأخذ لون وعينا الحالي، ويعود إلينا كقصة جديدة عن شيء قديم.

أما المستقبل، فهو ليس مكاناً نصل إليه، بل قلق نعيشه مسبقاً. هو مساحة الاحتمالات التي تفتح وتغلق في أذهاننا قبل أن يحدث أي شيء. نحن لا نخاف مما سيحدث فقط، بل مما يمكن أن يحدث، مما ربما لن يحدث، مما كان يمكن أن يحدث لو سلكنا طريقاً آخر. هكذا يصبح المستقبل عبئاً خفياً نحمله معنا حتى في أكثر لحظات الحاضر بساطة.

والحاضر نفسه، هذا الذي نظنه بيتنا الوحيد، لا يكاد يُمسك. ما إن نحاول الإمساك به حتى يكون قد صار ماضياً. نحن نعيش في نقطة تتحرك باستمرار، في حدّ رفيع بين ما كان وما سيكون. كأن الحياة تُعاش دائماً على حافة زوالها، وكأن كل لحظة تحمل في داخلها بذرة اختفائها.

من هنا ينشأ ذلك الشعور المؤلم بأن الإنسان دائماً متأخر عن حياته. نفهم بعد فوات الأوان، نعتذر بعد أن يبرد الجرح، نكتشف قيمة الأشياء حين نفقدها أو نقترب من فقدها. ليس لأننا غافلون بالضرورة، بل لأن الزمن لا يمنحنا مسافة كافية بين التجربة وفهمها. نحن نعيش أولاً، ثم نلحق بالمعنى ونحن نلهث.

الزمن يجعل كل شيء هشاً، لكنه هو نفسه مصدر القيمة. لو كانت الأشياء ثابتة، لما احتجنا إلى أن نحبها بهذا الإلحاح، ولا إلى أن نحافظ عليها بهذا القلق. الفناء لا يسرق المعنى من الحياة، بل يضغطه، يكثفه، يجعله أكثر إلحاحاً. نحن لا نقدر اللحظات لأنها جميلة فقط، بل لأنها عابرة.

ومع ذلك، نقاوم الزمن بطرق لا حصر لها. نكتب لنثبت شيئاً، نلتقط الصور لنؤجل النسيان، نبني ونعلم ونورث وكأننا نحاول أن نمد أنفسنا قليلاً إلى ما بعد حدودنا الطبيعية. لسنا ساذجين لدرجة أن نصدق أننا سنهزم الزمن، لكننا نصر على ألا نتركه يمر بنا دون أثر.

الغريب أن الزمن لا يمر علينا بالطريقة نفسها دائماً. هناك أيام ثقيلة كأنها لا تنتهي، وسنوات تمر كأنها ومضة. هناك لحظات تتسع في ذاكرتنا أكثر مما يتسع عمر كامل، وأعوام تختصر في صورة واحدة أو جملة عابرة. الزمن ليس مجرد قياس، بل تجربة شعورية، يتشكل وفق ما نعيشه لا وفق ما تحسبه الساعات.

في علاقتنا بالزمن يظهر خوفان متناقضان: الخوف من أن يمر سريعاً، والخوف من أن يظل طويلاً وهو مثقل بالألم أو الفراغ. نريد له أن يسرع حين نتألم، وأن يتباطأ حين نكون سعداء. كأننا نطلب من الزمن أن يكون عادلاً معنا، وهو لا يعرف العدل ولا الظلم، بل يعرف الحركة فقط.

الزمن أيضاً هو ما يصنعنا ويهدمنا في الوقت نفسه. نحن نتغير، لا لأننا نريد دائماً، بل لأن الزمن يمر بنا ويترك آثاره في أجسادنا وأفكارنا وأحلامنا. الشخص الذي كناه منذ سنوات لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة، والشخص الذي سنكون عليه لم يولد بعد. نحن كائنات في حالة عبور دائم، لا نملك إلا هذا العبور نفسه.

ومع كل هذا، لا نستطيع أن نعيش بلا وهم الاستقرار. نحتاج إلى أن نشعر أن هناك شيئاً ثابتاً فينا، شيء لا يتبدل مع كل موجة زمنية. ربما هذا ما يجعلنا نتمسك بأسماء، بذكريات، بقصص نرويها عن أنفسنا. نحن نصنع لأنفسنا سردية لنقاوم التفكك، لنقنع أنفسنا أننا ما زلنا “د ‘ نحن’ رغم كل التغير.

لكن الزمن لا يقبل أن يُختزل في قصة واحدة. هو يظل يفتح فينا فصولاً جديدة، أحياناً برفق، وأحياناً بعنف. يعلمنا أن الفقد ليس استثناء، وأن التغير ليس حادثاً عارضاً، بل قانون خفي للحياة. وما نسميه ‘ الاستمرار’ ليس سوى قدرة مؤقتة على التكيّف مع هذا القانون.

ربما يكون السؤال الحقيقي ليس : كيف نهرب من الزمن؟

بل : كيف نعيش فيه دون أن نتحول إلى غرباء عن أنفسنا؟ كيف نقبل التغير دون أن نفقد الإحساس بالمعنى؟ كيف نتصالح مع الفناء دون أن نستسلم للفراغ؟

الزمن لا يطلب منا إجابة، بل يفرض علينا تجربة. ونحن، في مواجهة هذه التجربة، لا نملك إلا أن نحاول أن نعيش بوعي، أن نحب دون ضمانات، أن نعمل دون يقين كامل، أن نترك أثراً صغيراً في طريق نعرف أنه سيمحو معظم آثارنا. لكن ربما يكفي أن نعرف أننا مررنا من هنا، لا كظلال صامتة، بل ككائنات شعرت، وفكرت، وحاولت أن تفهم وهي تمضي.

الزمن ليس عدونا ولا صديقنا. هو الشرط الذي يجعل كل شيء ممكناً ومهدداً في آن واحد. هو المساحة التي يولد فيها المعنى ويموت، وهو الحركة التي بدونها لا تكون هناك حياة أصلاً. ونحن، بما نحن كائنات زمنية، لا نملك إلا أن نتعلم فن العبور : أن نمشي ونحن نعرف أننا لن نبقى، وأن نمنح هذه المعرفة وزنها الإنساني الكامل، لا كحكم بالإعدام، بل كسبب إضافي لنحيا بعمق أكبر.

 

طارق غريب – مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock